بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٧٦
إنّه يعلم ممّا ذكرنا كلّه فساد ما قيل أو يقال من أنّ هنا شيئا آخر معتبرا في الإيمان غير مجرّد العلم و هو الحبّ في قبال العناد و العزم علىالإقرار و غير ذلك فإنّ اعتبار هذه الأمور في الإيمان على القول به لا تعلّق له بمغايرة العلم للاعتقاد و إن عقد القلب بشيء غير العلم به فإنّ وجودأمور قلبيّة غير العلم سواء اعتبرت في الإيمان أو بعض مراتبه أو لا ممّا لا ننكره أصلا كما أنّه يظهر منه فساد الاستشهاد بالآيات و الأخبارالظّاهرة في اعتبار القول و الإقرار زائدا على الاعتقاد في الإيمان و الإيجاب الإنكار و الجحود للكفر مثل قوله تعالى و الّذين يقولون آمنّا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم و قوله تعالى قولوا آمنّا باللّه و ما أنزل إلينا إلى غير ذلك من الآيات و الأخبار الّتي ستمرّ عليك في أنّ هنا قسما ثالثا غير ما أفاده قدس سره من القسمين ثمّ إنّ هنا قسما ثالثا لما أفاده من القسمين للعقائد الحقّة ليس ممّا يجب التّدين به و لو بعد العلم بثبوته من النّبي صلى اللَّه عليه و آله إخباره به على سبيل الجزمو اليقين و إن كان إنكاره بعد العلم بثبوته من النّبي صلى اللَّه عليه و آله موجبا للكفر من حيث رجوعه إلى إنكار النّبوة و تكذيب النّبي صلى اللَّه عليه و آله فإنّ تكذيبه و لو فيأخباره العادية موجب للكفر قطعا و هو ما يرجع إلى بيان أمور واقعيّة لا تعلّق لها بالدّين مثل بيان مبدإ خلق السّماء و الأرض و حور العينو الفصل بين كلّ سماء إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى بيان خلقة المخلوقات فإنّه ليس أمرا دينيّا اعتقاديّا بحيث يجب التّدين به و الإقرار به و إنلم يجز إنكاره بعد العلم بثبوته من صاحب الشّرع هذا و توهّم كون جميع ما بيّنه النّبي صلى اللَّه عليه و آله من الدّين فاسد كما سننبّه عليهقوله قدس سره لكن يمكنأن يقال إنّه إذا حصل الظّن من المخبر إلخ(١)أقول لا يخفى عليك انحصار الأمر فيما أفاده بعد البناء على اتّحاد الاعتقاد الظّني للظّن على ما عرفتتحقيقه و إلاّ فيوجد هنا وجه آخر أهمل ذكره في الكتاب بملاحظة تخيّل أمر الحصر فيما أفاده كما أنّ مبناه على كون وجوب الإظهار و الإقرار منالأحكام الشّرعيّة المترتّبة على نفس المعتقد أي الأمور الثّابتة الدّينيّة النّفس الأمريّة لا من الأحكام المترتّبة على خصوص الاعتقاد الجزميبها ضرورة عدم قابليّتها لتعلّق الجعل الظّاهر بها على التّقدير المزبور و توهّم كون إظهار المخبر به ممّا يقتضيه نفس دليل وجوب التّعبدبخبر العادل فلا يحتاج إلى جعله من آثار المخبر به في نفس الأمر مع قطع النّظر عن الأخبار و من هنا ورد الأمر البليغ بنقل الأخبار المأثورة عنالأئمّة عليهم السلام و الحثّ على كتبها و إيداعها في الكتب حتّى ينتفع بها الغائبون بل المعدومون و من في أصلاب الرّجال كما ترى ضرورة أنّ مجرّد نقلالخبر من دون اعتقاد بثبوت مضمونه الّذي هو الموضوع في تلك الأخبار لا يفيد في مسألة حجيّة خبر الواحد في العقائد أصلا لأنّ مجرّد النّقلغير إظهار النّاقل الاعتقاد بثبوته و لو في مرحلة الظّاهر الّذي هو المقصود بالبحث في المقام و لأجل ما ذكرنا يناقش فيما أفاده قدس سره كما يظهر من قولهبعد ذلك أيضا بأنّ الإقرار باللّسان و إن كان ممكنا مع الظّن الحاصل من الخبر بل مع الشّك بل مع القطع بالعدم أيضا إلاّ أنّ وجوبه مترتّبعلى الاعتقاد العلمي بالعقائد الحقّة كما يدلّ عليه قوله عليه السلام فرض اللّسان التّعبير عمّا عقد عليه القلب الحديث فلا يمكن ثبوته مع فرض زوال الاعتقادالمزبور هذا و إن أردت تفصيل القول في المقام فاستمع لما يتلى عليكفي أنّ المعارف بالمعنى الأعمّ ينقسم إلى أقسام فنقول و باللّه الاستعانة إنّ المعارف بالمعنى الأعمّ على قسمينأحدهما ما لا يكون من الدّين و لا دخل له بشريعة سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه و آله مثل كيفيّة خلق السّماء و الأرض و الحور و القصور و غير ذلك ممّا عرفتالإشارة إليه عن قريب ثانيهما ما يكون من الدّين لا يقال لا معنى للتّقسيم المذكور لأنّ كلّ ما بيّنه النّبي صلى اللَّه عليه و آله يكون من الدّين لا محالة و إلاّلم يبيّنه لأنّا نقول هذا غلط واضح و خلط ظاهر فإنّ الرّسول صلى اللَّه عليه و آله قد يخبر عن الشّيء من حيث كونه شارعا و مبلّغا عن اللّه تعالى و مأمورابتبليغه إلى العباد و قد يخبر عن الشّيء لا من الحيثيّة المذكورة بل من حيث كونه عالما بالغيب بإفاضة اللّه سبحانه و من المعلوم أنّ هذا لا يرجعإلى الإخبار عن الأمر الدّيني ثمّ الثّاني أي ما يكون من الدّين و شريعة سيّد المرسلين ينقسم على قسمين أحدهما ما يتعلّق بالعمل بالمعنىالأعمّ من التّعلّق الأوّلي الّذي يسمّى بالحكم الفرعي و التّعلق الثّانوي و بالواسطة الّذي يسمّى بالحكم الأصولي العملي ثانيهما ما يكون المقصودمنه و الغرض الأصلي الأوّلي المطلوب منه الاعتقاد و إن ترتّب عليه عمل أحيانا أمّا الأوّل أي ما لا دخل له بالدّين أصلا فلا إشكالفي أنّه لا يجب التّدين به بعد حصول العلم به فضلا عن الظّن به نعم لا يجوز إنكاره بعد ثبوته من حيث إيجابه لتكذيب النّبي صلى اللَّه عليه و آله فيكون كفراو أمّا الثّاني فما يتعلّق منه بالعمل و لو بالواسطة فلا إشكال في إمكان التّعبد فيه بغير العلم بل وقوعه في الجملة على ما عرفت مفصّلاو إن كان مقتضى الأصل الأوّلي البناء فيه على عدم وقوع التّعبد و ما يتعلّق منه بالاعتقاد فقد عرفت سابقا أنّه على قسمين أحدهما ما يجبالاعتقاد به مطلقا فيجب تحصيل المعرفة به ثانيهما ما لا يجب فيه ذلك بل إن حصلت المعرفة به حصل الاعتقاد به قهرا و يجب التّديّن بمقتضاهو المعتقد في المقامين قد يكون أمرا إجماليّا بمعنى أنّه قد يجب الاعتقاد بشيء و التّدين به إجمالا سواء كان وجوبا مطلقا أو مشروطا بالمعنى الّذيعرفته فلا يجب تحصيل تفصيله نعم لو حصل العلم به وجب التّديّن به من حيث كونه عين ما وجب الاعتقاد و التّدين به إجمالا ضرورةكون المفصّل عين المجمل و إن افترقا من حيث الإجمال و التّفصيل و قد يكون أمرا تفصيليّا ثمّ إنّ التّكلّم في حكم الظّن في القسمين على نحو