بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٧
قبيحا و كذلك التّرخيص لهم أن يظهروا لغيرهم ممّن يعتقدون أنّه مثلهم و تحريم إظهاره لمن لا يعلمونه مثلهم و إيجابهم عليهم أيضا من جانب الشارع أنلا يظهروا إلاّ لمثلهم و هكذا لا يكون قبيحا و إن أخطأ المظهرون في الاعتقاد فأظهروه لمن لا يكون أهلا خطاء فانتشر أمر العفو من جهة تقصيرهم فإنّفوت المصالح النّفس الأمريّة من العباد من جهة تقصير المقصّرين ليس فيه قبح على الحكيم و لا خلاف لطف أصلا كما حقّق مستقصى في محلّه فإذا نقولإذا اقتضت المصلحة إظهار العفو في خصوص معصية كما في حكاية يوم الّذي قتل فيه الثاني على النّمط المذكور لم يكن فيه قبح على الحكيم و إن فرضعلم من لا يبالي بالمعصية بالعفو أيضا من جهة تقصير المقصّرين في تكليفهم و ما وجب عليهم من عدم الإظهار إلاّ للأهل كما هو الشّأن في سائرالمقامات هذا و لكنّك خبير بأنّ هذا الجواب أيضا لا يخلو عن إشكال أمّا أوّلا فلوجود الفرق بين المقام و ما قيس به فإنّ إظهار الأحكامو تبليغه واجب على الحكيم تعالى بطريق المتعارف فلو لم يصل بعض الأحكام إلى العباد من جهة تقصير المقصّرين لم يكن فيه شيء على اللّه تعالى و هذابخلاف المقام فإنّ الواجب فيه ترك الإظهار فلا بدّ أن لا يجوز ترخيص الغير في الإظهار إذا كان ممّن يخطأ في الاعتقاد فتأمّل و أمّا ثانيا فلأنّما ذكر على فرض تماميته إنّما يتمّ بالنّسبة إلى ما دلّ عليه الأخبار و أمّا بالنّسبة إلى ما دلّ عليه الكتاب كالآية الدّالّة على العفو عن الظّهار فلا اللّهمإلاّ أن يلتزم بعدم حرمته فتأمّل ثمّ إنّه لا يخفى عليك أنّ تكفير الذنب بالتّوبة أو تكفير الصّغائر بالاجتناب عن الكبائر حسب ما دلّ عليه الأدلّةالثّلاثة ليس من العفو المنافي لحكم العقل كما لا يخفى على الأوائل فضلا عن الأواخر و لا دخل له بمسألة الحبط التي هي عكس مسألتنا هذه و هي رفعالسيئة بالحسنة و أوضح منه في عدم كونه من محلّ البحث ما ورد في جملة من الواجبات و المستحبات كالحجّ و زيارة سيّد الشّهداء أرواحنا له الفداءو غيرهما ممّا دلّ على تكفيره الذّنوب كما لا يخفى ثانيها أنّه بناء على عدم إيجاب التّجري قبح ما يتجرّى به و الذّم عليه من جهة كونه من الأوصافالغير الصّادقة على الفعل أو ممّا يصدق عليه مع عدم قبحه حتّى يؤثر في قبح ما يتصادق معه كيف يمكن الحكم بحرمته القصد إلى المعصية فإنّ الوجه فيحرمته ليس إلاّ من حيث كونه قبيحا و الوجه في قبحه ليس إلاّ من حيث كونه تجرّيا فلا بدّ إمّا من أن يحكم بالحرمة في جميع صور التّجري أو يمنع منها في القصدإلى المعصية فالتّفصيل كما هو قضيّة الفرض ممّا لا معنى له هذا و قد يتفصّى عن الإشكال المذكور بأنّه لا امتناع في أن يكون في القصد إلى المعصيةمفسدة قد حكم الشارع بحرمته من أجلها و لم يطلع عليها العقل حتّى يحكم به و ليس هنا برهان قطعيّ يدلّ على كون حكم الشارع بالحرمة إنّما هو من أجل القبحالمسبّب عن التّجري ثالثها أنّه بناء على حرمة القصد إلى المعصية من باب التّجري كما هو قضيّة طائفة من الأخبار و جملة من الآيات لا بدّ من أنيحكم بحرمة التّجري بالفعل مطلقا من باب الأولوية لأنّ القصد إلى المعصية من أدنى مراتب التّجري هذا و لكنّه لا يخفى عليك ما فيه و مثله ما يقالمن أنّ قبح التّجري دائما من جهة القصد إلى المعصية فيلزم الحكم بحرمة التّجري مطلقا على ما يظهر من كلام شيخنا في الكتاب من الاستناد إلى القصد إذاعرفت ما قدّمنا لك من الإشكالات فنقول أمّا دلالة ما أورده دام ظلّه على المؤاخذة بالقصد إلى المعصية من الآيات و الأخبار فممّا لا إشكالفيها في الجملة و إن كان قد يتأمّل في دلالة بعضها إنّما الإشكال فيما وعدناك من العلاج بينها و بين ما دلّ على العفو في الجمع و التوفيق بين الأخبار الواردة في القصد على المعصية فنقول إنّ التّوفيق بينهمابأحد الأمرين اللّذين ذكرهما دام ظلّه في الرسالة أحدهما حمل ما دلّ على العفو على القصد المجرّد و حمل ما دلّ على عدمه على القصد مع الإتيان ببعضمقدّمات فعل الحرام بقصد ترتب الحرام و يشهد لهذا الجمع ما دلّ على حرمة الإعانة على المحرّم بناء على ما ذكره بعض الأساطين ممّن تأخّر من شمولهلإعانة نفسه على الحرام و هذه الاستفادة و إن كانت خلاف ظاهر ما دلّ على حرمة الإعانة على المحرّم بمقتضى الدّلالة اللّفظيّة من حيث إنّ ظاهرهإعانة الغير على الحرام إلاّ أنّه قد يقال بشموله لإعانة النّفس بتنقيح المناط و هو أنّ الوجه في نهي الشّارع عن إعانة الغير على الحرام هو مبغوضيّة التّسبيبلإيجاد الحرام في الخارج و إن كان هذا أيضا لا يخلو عن تأمّل ظاهر نعم قد يجعل الإجماع على العفو من قصد المجرّد شاهدا لهذا الجمع فتدبّرثانيهما حمل ما دلّ على العفو على القصد الّذي ارتدع عنه القاصد بنفسه و ما دلّ على عدمه على ما إذا بقي على القصد حتّى حصل له العجزعن الفعل لا باختياره و لو لم يفعل بعض مقدّمات الفعل أيضا و المراد من الارتداع بنفسه ليس هو الرّجوع إليه و الإنابة عن القصد فإنّه عين الالتزامبحرمته القصد إلى الحرام بل مجرّد الارتداع عنه بأيّ داع كان و هذا الوجه من الجمع كما ترى لا شاهد له أصلا و كيف كان لا إشكال في عدم حرمةالقصد المجرّد لأنّه ممّا انعقد الإجماع عليه ظاهرا و نطقت به الأخبار بالصّراحة فلا يمكن الحكم إذا بحرمته فتعيّن إذا التّصرّف فيما دلّ على حرمتهمطلقا و ليس المقام ممّا يجوز الرّجوع فيه إلى المرجّحات السّندية و غيرها أيضا بل يتعيّن التصرّف في الدّلالة و الظّهور بما كان قريبا و إلاّ فلا بدّ منالحكم بالإجمال بالنّسبة إلى غير ما تيقّن إرادته و الرّجوع إلى الأصول العمليّة على ما هو الشّأن في جميع صور تعارض ما لا يجري فيه الطّرح بحسب السّندهذا و هنا جمع آخر لم يشر إليه الأستاذ العلاّمة دام أظلاله و هو حمل ما دلّ على العفو على نيّة المؤمن و حمل ما دلّ على عدمه على نيّة الكافرو يشهد له بعض الأخبار أيضا و لكنّك خبير بأنّ حمل ما دلّ على المؤاخذة على نيّة الكافر لا يتمشّى بالنّسبة إلى جميع ما دلّ عليها و كيف يحمل قوله عليه السلام