بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٦٥
الظّنون موجبا لتوقّف العقل عن الحكم بوجوب الأخذ بجميعها فيكون في هذا كرّ على ما فرّ لأنّا نقول مجرّد احتمال وجود المزاحمات لا يوجب وقوفالعقل عن حكمه الإنشائي و إنّما الموجب له علمه بها لا مجرّد احتمالها لأنّ الأمر مع هذا الاحتمال أيضا دائر بين الإطاعة الظّنيّة و الشّكيّة و الوهميّةبحسب اختلاف مراتب الاحتمال قوّة و ضعفا نعم لو فرض كون وجود المفسدة الغالبة مظنونا دخل في مسألة الظّن المانع و الممنوع و ستقفعلى حكمها فيما سيأتي و هذا أمر واضح لا إشكال فيه أصلا قد نبّهنا عليه غير مرّة و ممّا ذكرنا تعرف استقامة ما أفاده قدس سره في الجواب عن السّؤالبتطرّق احتمال المفسدة في كلّ ظنّ فلا يستقلّ العقل في الحكم بحجيّته فيعود المحذور بقوله نعم و لكن احتمال المفسدة لا يقدح في حكم العقل إلى آخرهقوله قدس سره إلاّ أن يقال إنّ النّواهي اللّفظيّة إلخ(١)أقول لا يخفى عليك أنّ الاستدراك المذكور مبنيّ على الإغماض عن الوجه السّابع و انحصار المصححللنّهي في زمان الانسداد في ملاحظة المفسدة و المصلحة و إن كانت الطّريقيّة ملحوظة أيضا ضرورة عدم استقامته مع صحّة النّهي على وجه الطّريقيّةأيضا هذا و قد يناقش فيما أفاده قدس سره بأنّه إذا بني على التّصرّف في أكثر الأخبار الظّاهرة في ابتناء النّهي على الطّريقيّة الصّرفة من جهة وجود الصّارفالعقلي فلا يتعيّن حملها على زمان الانفتاح لإمكان التّصرف فيها على وجه لا ينافي حكم العقل مع شمولها للزّمانين كما هو الظّاهر منها بأنّ المقصودمنها الإرشاد إلى غلبة خلاف الواقع في القياس و بيان هذا الأمر المخفيّ و إن لم يكن علّة النّهي منحصرة فيها بل مركّبة منها و من ملاحظة المفسدةكما نطقت به سائر الأخبار ففيه نوع من الجمع بين الأخبار مع إبقائها على ظاهرها و هو شمولها للزّمانين هذا و قد يتفصّى عن المناقشة المذكورةبأنّ ظهور الأخبار في حصر علّة النّهي في الطّريقيّة و كثرة الخطاء في العمل بالعقول الظّنيّة أقوى من ظهورها في العموم فارتكاب التّخصيص أولى منالتّصرّف في الحصر مضافا إلى ما ذكر في محلّه من أنّ ارتكاب التّخصيص في العام عند دوران الأمر بينه و بين ارتكاب خلاف ظاهر آخر أوهن اللّهمّإلاّ أن يقال إنّها ظاهرة في القضيّة الطّبيعيّة الآبية عن التّخصيص أ لا ترى إلى قوله عليه السلام في رواية أبان بن تغلب يا أبان إنّك قد أخذتني بالقياسو إن السّنة إذا قيست محق الدّين و إلى قوله عليه السلام في رواية أخرى إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول و غيرهما فهل يجوز حملها على زمان الانفتاححاشا ثمّ حاشا فلا بدّ من الالتزام بأنّ اللاّزم المذكور و هو كون العمل بالقياس في معرض خلاف الواقع لا ينفكّ عن العمل به و إن كان الملحوظ فينهي الشارع هو مع شيء آخر و هو اشتمال سلوكه على مفسدة غالبة كما يكشف عنه سائر الأخبار فافهم في الوجه السّابع من وجوه التفصّي عن إشكال خروج القياس قوله قدس سره الوجه السّابع هو أنّ خصوصيّة القياسإلخ(٢)أقول ما أفاده في كمال الوضوح لمن راجع أخبار الباب كما أنّ كون عنوان حكم العقل بحجيّة الظّن و تقديمه على الشّك و الوهم ليس من حيثكونه ظنّا بل من حيث كونه غالب المطابقة و الإيصال بالنّسبة إلى الواقع من الواضحات الّتي لا يحتاج إلى البيان فإذا فرض انكشاف فقد العنوانالمزبور بالنّسبة إلى القياس و أشباهه بملاحظة الأخبار الكاشفة عن حالهما فلا محالة يحكم بخروجهما موضوعا عن حكم العقل بحجيّة الظّن فلايلزم هناك تخصيص أصلا و من هنا يحكم بعدم حجيّة جملة من الظّنون الّتي علمت غلبة مخالفتها بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة كالقرعة و الاستخارةو الرّمل و النّوم و ظنّ غير أهل الخبرة و نحوها فإنّها بأسرها خارجة موضوعا عن حكم العقل ثمّ إنّ رفع اليد عن الواقع أحيانا و في بعض المواردو القضايا من جهة حفظ أكثر الوقائع عند الدّوران لما كان حسنا في حكم العقل نظير ارتكاب أقلّ القبيحين عند الدّوران فلا محالة يجوّزالعقل نهي الشارع عن العمل بجميع جزئيّات الأمارة المخالفة للواقع كثيرا و لو بالنّسبة إلى الجزئي الّذي يظنّ كونه مطابقا للواقع من جهة الظّن بكونموارد المخالفة غير ما حصل الظّن فيه من الأمارة كما فيما ذكره من المثال في الكتاب فلا يتوهّم أنّ ملاحظة هذا المعنى نوع من ملاحظة المصلحةفي النّهي كمصلحة التّسهيل فيرجع هذا الوجه إلى سابقه حيث إنّ ملاحظة حفظ الواقع في موارد الأمارة المنهيّ عنها عين الطّريقيّة كما لا يخفىو ليس ما يقابل الأمارة المنهيّ عنها أمرا واحدا دائما حتّى يقال بأنّ ارتفاع الظّن منها غالبا من جهة كثرة الخطاء يوجب حصول الظّن ممّا يقابلهامع أنّه لا يقدح فيما نحن فيه بصدده من القول بحرمة العمل به حتّى في مورد حصول الظّن منهتقرير توهّم التّدافع بين كلاميه قدس سره و الجواب عنه قوله قدس سره أ لا ترى أنّه يصحّ أن يقول الشّارع إلخ(٣)أقول قد يتوهّم التّدافع بين ما أفاده و ما ذكره قبل ذلك عن قريب بقوله فإنّ الظّن ليس كالعلم إلخ بل بينه و بين ما أفاده من أوّل الكتابإلى هذا المقام مرارا من عدم إمكان نهي الشارع عن العمل بالعلم فإنّ مقتضى ما أفاده في المقام إمكان نهي الشارع عن العمل بالعلم بإظهار عدم إرادة المعلومعن العالم و مقتضى ما ذكره سابقا عدم إمكان ذلك كما هو قضيّة صريحة هذا و يمكن دفعه بأنّ المراد ممّا أفاده سابقا من عدم الجواز إنّماهو بالنّظر إلى الواقع و المكلّف الملتفت بأنّ اللّه تعالى يريد الواقع منه و من كلّ أحد و المراد ممّا أفاده في المقام إنّما هو بالنّسبة إلى المكلّف الّذي لميلتفت إلى ما هو المركوز في العقول من عدم جواز عدم إرادة الواقع منه و قد صرّح قدس سره بما يستفاد منه هذا التّفصيل في أوّل الكتاب في فروعاعتبار العلم فراجع هذا و لكن قد يناقش فيما أفاده من الفرق بين العلم و الظّن حيث لا يجوز تكليف المكلّف على خلاف مقتضى الأوّل واقعا و يجوزتكليفه على خلاف مقتضى الثّاني واقعا بإظهار عدم إرادة الواقع منه بأنّه إن جوّز في حكم العقل إعراض الشارع عن الواقع في مادّة من المواد لأجل مصلحة