بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٦
الواردة في حكم القصد إلى المعصية ممّا يدلّ على العفو عنه و المؤاخذة به كثيرة جدّا بحيث يمكن دعوى وصولها في كلّ من الجانبين إلى حدّ التّواتر و لمّاكان أمر الأخبار الدالة على العفو واضحا من حيث اشتهارها حتّى بين العوام و النّسوان بل في غير واحد من الأخبار أنّ العفو عن نيّة السّوء من خواصّ الأمّةالمرحومة فاكتفى الأستاذ العلاّمة دام ظلّه بذكر جملة ممّا يدلّ على عدم العفو فيمكن إذا للقائل بأن التّجري قبيح و موجب لاستحقاق العقاب في نفسهالقول بعدمها فيما إذا تحقّق بالقصد على ما عليه المشهور نظرا إلى اختياره ما دلّ على العفو و ترجيحه على ما دلّ على عدمه بضرب من التّرجيح كما أنّه يمكنللقائل بعدمها القول بثبوتها فيما إذا حصل التّجري بالقصد من جهة اختيار ما دلّ على ثبوتها و إلى ما ذكرنا يشير قوله أمّا التّجري إلى آخره حيث إنّالمراد منه أنّ حكم التّجري بالقصد إلى المعصية ليس حكم غيره فيمكن القول بعدم العقاب بالتّجري المحقّق بمجرّد القصد و إن قلنا به فيما إذا تحقّق بغيره هذاو نحن نذكر جملة ممّا دلّ على العفو تيمّنا بذكرها منها ما رواه جميل بن درّاج عن الصّادق عليه السلام أنّه قال إذا همّ العبد بالمعصية لم تكتب عليه الحديث و منها ما رواه زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال إنّ اللّه جعل لآدم في ذرّيته أنّ من همّ بحسنة يعملها كتب له مثلها و من همّ بحسنة يعملها كتبت له عشرةو من همّ بسيّئة لم تكتب عليه و من همّ بها و عملها كتبت عليه سيّئة و منها ما روي عن الباقر عليه السلام أنّه قال لو كانت النيّات من أهل الفسوق يؤخذبها أهلها لأخذ كلّ من نوى الزّنا بالزنا و كلّ من نوى السّرقة بالسرقة و كلّ من نوى القتل بالقتل و لكن اللّه عدل كريم ليس الجور من شأنه و لكنّه يثيبعلى نيّات الخير أهلها و لا يؤاخذ أهل الفسوق حتّى يفعلوها و قبل الخوض في العلاج بين الأخبار الواردة من الجانبين لا بدّ من التّعرض لإشكالات قدأشار إلى بعضها الأستاذ العلاّمة في مجلس البحث و قد سبقه في الإشارة إليه غيره أحدها أنّه بناء على استحقاق العقاب على ما يتحقّق به التّجريعلى ما يقتضيه كلمات الأكثرين و هو ظاهر ما ورد من أخبار العفو أيضا كيف يمكن حكم الشّارع بالعفو و الإخبار عنه على سبيل الحتم مع أنّه على خلافاللّطف من حيث كون الوعد على الإطاعة و الوعيد على المعصية لطفا على ما يقتضيه صريح العقل و قضت به كلمتهم و من المعلوم أنّ ترك اللّطف قبيح علىالحكيم فضلا عن صدور خلافه عنه ثمّ إنّ هذا الإشكال لمّا لم يكن مختصّا بالمقام بل كان واردا في نظائره ممّا قالوا بحرمته و دلّ الدّليل على العفوعنه كما في الظّهار و كما في الإتيان بالحرام في يوم قتل الثّاني إلى ثلاثة أيّام إلى غير ذلك و هكذا في يوم الغدير إلى ثلاثة أيّام فبالحريّ أن نتعرّض لما يدفعبه الإشكال في جميع المقامات و ممّا ذكرنا من البيان يظهر فساد الجواب عن الإشكال في المقام بالنّقض على الظهار و نحوه ممّا هو مثله في الإشكال فنقولإنّ ما يذكر للتفصّي به عن الإشكال المذكور وجهان الأوّل أنّ ما دلّ من الآيات و الأخبار على حكم العفو في أمثال المقام ليس بقطعيّ و الظن ليسحجّة في هذه المسائل و لو كان من ظواهر الألفاظ فلا يحصل به مخالفة لقضيّة اللّطف الواجب على الحكيم تعالى أو يؤوّل بما لا ينافي حكم العقل و منهاحتمال إرادة التّأخير في ثبت كاتب السّيئات من الملكين هذا و لكنّك خبير بما فيه لأنّ اعتماد المشافهين بما دلّ على العفو عن معصية خاصّة ممّايكون ظاهرا فيه ممّا لم يكن فيه ريب كاعتمادهم بظهوره في سائر المقاصد و ليس المقصود هو تحصيل القطع بالعفو كما في مسائل الأصول الّتي يطلب فيها الجزمحتّى يقال إنّه لا يحصل بالظّواهر بل المقصود صدور كلام من المولى يقتضي العفو بلسانه المتعارف الّذي هو محلّ اعتماد النّاس قطعا و يوجب تجرّيهم علىالمعصية جزما و كذلك اعتمادهم على ما يرد من المولى في العفو من النّقل بخبر الثّقات ممّا لا شبهة فيه فتأمّل لا يقال مجرّد احتمال العقاب يكفيفي حكم العقل بوجوب الإطاعة لاستقلاله في الحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل فلا يكون إظهار العفو مع بقاء احتمال المؤاخذة خلاف اللّطف لأنّا نقولأوّلا إنّه لو بني على كفاية مجرّد احتمال المؤاخذة لم يكن دليل على كون الوعد و الوعيد لطفا مع أنّ الكلام إنّما هو على فرض كونهما لطفا و هو مما لا شبهةفيه أيضا لأنّ حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المحتمل لا ينافي كون الوعد و الوعيد لطفا إذ لا شبهة في حصول القرب إلى الطّاعة و البعد إلى المعصيةبهما غير ما كان حاصلا من نفس احتمال العقاب بالنّظر إلى حكم العقل و هذا هو المناط في اللطف و لا يشترط في تحقّقه عدم حكم العقل في موردهمن وجه ضعيف كيف و هم حكموا بأنّ تأكيد العقل بالشّرع لطف و المقام أولى بكونه لطفا من حيث كون قول الشّارع فيه تأكيدا لا تأسيسا و ثانيا أنّه لو بني على كفاية مجرّد احتمال العقاب في رفع وجوب للّطف على الحكيم تعالى فإنّما هو فيما إذا لم يرد منه ما يقتضي عدم العقاب و لوبالطّريق الظّني الّذي عليه اعتماد العقلاء و أهل اللّسان فهل ترى من نفسك الحكم بعدم إقدام العبد بإتيان ما أخبره المولى بلسانه المتعارفبالعفو عنه ممّا نهاه عنه من جهة احتمال المؤاخذة فهذا الاحتمال في حكم عدمه عند العقلاء فتأمّل و ثالثا أنّ هذا لا يتأتى فيما ثبتالعفو عنه قطعا كما في القصد إلى المعصية مجرّدا فإنّ الظّاهر قيام الإجماع على العفو عنه فتدبّر الثّاني أنّ من المعلوم ضرورة و بداهةعدم كون العفو الواقعي قبيحا على الحكيم تعالى بل هو واجب عليه في الجملة بما لا ينافي حكم العقل بكون الوعد و الوعيد لطفا على ما ستقف عليه ولم يدّع أحد أيضا أنّ العفو الواقعي قبيح على الحكيم تعالى من جهة كونه على خلاف اللّطف و إنّما الّذي يكون قبيحا هو إظهاره للعباد و من المعلوم أنّإظهاره للعباد المطيعين ممّن لا يتفاوت في حالهم الوعد و الوعيد و عدمهما كسلمان و أبي ذر و مقداد و حذيفة و أمثالهم من الموحّدين لا يكون