بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٤
لا يمكن الحكم القطعي بما هو محموله غاية الأمر حكم العقل به ظنّا من جهة ظنّه بتحقّق الموضوع فيكون حكمه به إذا حكما ظاهريّا لا واقعيّا فإنّ العقلو إن لم يجوّز ضرب اليتيم مع احتمال حصول التأديب و الكذب مع احتمال ترتّب المصلحة عليه إلاّ أن عدم تجويزه ظاهريّ مبنيّ على الظن بتحقّق ما هو المناطفلم يبق إذا فرق بين هذا القول و القول بتبعيّة الحسن و القبح للوجوه و الاعتبار إذ على القول بالوجوه أيضا يحكم العقل بمقتضى الوجه الّذي أحرزهللفعل و إن احتمل وجود غيره للفعل ممّا يقتضي ضدّه قلت لا يعقل الفرق فيما ذكرنا بين القطع و الظّن المعتبر إذ مع اعتبار الظّن يقطع بتحقّقالتّجري بمخالفته و يقطع أيضا بعدم تحقق ما هو الرافع له إذ قد عرفت أن الرافع للقبح ليس إلاّ الحسن الّذي هو من مقولة الحكم الّذي قد عرفت استحالةتعلّق الظن و الشك به نظرا إلى كونه من وجدانيّات العقل فمع احتمال وجود ما يحكم العقل بحسنه على تقدير القطع به يقطع بعدم وجود الحسنله فحكم العقل في الفرض بقبح التّجري حكم واقعي و ليس هذا مختصّا بالمقام إذ ليس لنا في الأحكام العقليّة ما يكون ظاهريّا من حيث حكم العقل و إن كانحكمه في موارد الأصول العقليّة ظاهريّا من حيث ثبوته لمجهول الحكم الشّرعي نعم قد يحكم العقل على عنوان يوجد في صورة القطع بشيءو في صورة الشّك به كما في حكمه بحرمة التشريع بناء على كونه عبارة عن إدخال ما لم يعلم أنّه من الدّين في الدّين بقصد أنّه من الدّين سواء علمعدم دخوله في الدّين أو شكّ فيه و لكن هذا لا دخل له بالحكم الظاهري الّذي جرى عليه الاصطلاح كما لا يخفى و منه يظهر حال المثالين فإنّانمنع من كون حكم العقل بعدم التّجويز فيهما ظاهريّا بل هو واقعيّ أيضا في الفرق بين القول بكون التجري مقتضيا للقبح و القول بكونه بالاعتبار ردا على من قال بعدم الفرق فظهر ممّا ذكر الفرق بين هذا القول و القول بالوجوه و الاعتبار فإنّهبناء على القول بالوجوه يكون أصل المقتضي للقبح في نظر العقل هو التّجري الغير المصادف لما فيه مصلحة مزاحمة لقبحه فإذا احتمل مصادفتهللواجب الواقعي لا يحكم بالقبح قطعا لما قد عرفت مرارا من أنّ العقل لا يحكم بشيء مع عدم علمه بوجود ما هو المناط له و إن ظن بوجوده إذ قدعرفت أنّ مع الظن بالموضوع أيضا يقطع بعدم حكم العقل بل التّحقيق أنّ أصل الظن بالموضوع العقلي ممّا لا معنى له إذ الموضوع في القضاياالعقليّة ليس إلاّ الأمور المعلومة دائما فالعلم مأخوذ في الموضوع للحكم العقلي في أيّ مورد وجد فلا يرد إذا أنّ مع الظن بالموضوع الّذيهو العلّة التّامّة للحكم من حيث إنّ الموضوع في القضايا العقليّة دائما هو المناط الأولى كيف يمكن منع الظّن بالحكم لا يقال بناء على ما ذكريلزم كون الموضوع في الحكم الشّرعي المستند إلى القضيّة هو المعلوم أيضا و إلاّ لم يكن معنى للاستناد إلى القضيّة العقليّة مع أنّ هذافاسد بالضّرورة لأنّا نقول نلتزم بذلك لكنّه لا بشرط أن يكون معلوما عند المكلّف بل عند الشّارع الحاكم فباحتمال كون الشّيء مضرّافي علمه مثلا يحتمل الحرمة إذ احتمال الضّرر في الواقع لا ينفك عن احتمال علمه به من حيث كونه عالما بجميع الأشياء و هذا أمر ظاهر لا سترة فيهإن شاء اللّه تعالى فتبيّن ممّا ذكر أنّ مع الظن بالضّرر مثلا لا يعقل الظّن بالحكم العقلي نعم لمّا كان الظنّ المذكور حجّة شرعيّة يقطع معه بوجودالحكم الظّاهري الشّرعي و لكنّه لا دخل له بالحكم العقلي إذ اعتبار الظن عند الشارع لا يمكن أن يحدث حكما عقليّا نعم قد يكون وجود الظن موجبالحكم العقل من جهة كون موضوعه أعمّ من القطع و الظن لكنّه لا دخل له بمسألة الظن بالحكم العقلي في أن العنوان الواقعي المجهول لا يؤثر في رفع قبح التجري ردا على القول به فإن قلت هب أنّ العنوان الواقعي من حيثكونه مجهولا لا يتّصف بحسن و لا قبح بناء على ما ذكرت من عدم عروض الحسن و القبح إلاّ للعنوان المعلوم إلاّ أنه ليس من المستحيل أن يكون في مصادفةالتّجري له شيء يقتضي رفع القبح كإدراك المصلحة النّفس الأمريّة المكنونة في الفعل إلاّ أن يقال إنّ الأمور الخارجة عن القدرة لا يمكن أن تؤثر فيالمدح و الذّم و هو في حيّز المنع إذ كثيرا مّا نمدح الشيء و نذمّه بما لا يكون اختياريّا له و عليه يمكن ابتناء منع الدّليل العقلي السّابق المبنيّ علىالتّرديد و الدّوران إذ مبناه على عدم استحالة مدخليّة الأمور الخارجة عن القدرة في استحقاق المدح و الذّم قلت أوّلا بعد الاعتراف بعدماتّصاف ما يتحقّق في ضمنه التّجري بالحسن من حيث كونه مجهول العنوان لا يعقل تجويز تأثيره في رفع القبح إذ المانع من قبح التّجري في نظر العقل ليس إلاّ حسنما يتحقّق في ضمنه و المفروض عدم وجوده فلو فرض حينئذ عدم ثبوت القبح له لزم انفكاك المعلول عن العلّة إذ المفروض وجود المقتضي للقبح و هوالتّجري و عدم المانع عنه و ثانيا أنّ مدخليّة الأمور الخارجة عن القدرة في المدح و الذّم لا دخل لها بما هو المقصود بالبحث عنه في المقاممن الحسن و القبح إذ هما من الأحكام العقليّة الّتي لا تعرض في حكم العقل إلاّ الأفعال الاختياريّة القابلة لتعلّق التكليف حتّى ينتقل من حكم العقل بالحسنو القبح إلى الوجوب و الحرمة مثلا و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه أصلا ثمّ إنّ ما ذكر في طيّ تقريب الدّليل من قبل المستدلّ من إمكان ابتناء المنعالسّابق على ما ذكر ضعيف جدّا لوضوح الفرق بين المقامين بما لا يخفى على المتأمّل فإنّ المنع المذكور كان مبناه على منع تأثير الأمر الغير الاختياريفي الذّم و كلام المفصّل مبنيّ على إثبات تأثيره و رفعه للذّم الثّابت للأمر الاختياري فمع هذا الفرق الواضح بين المقامين كيف يمكن ابتناء المنع المذكورثمّة على ما ذكر هنا فحاصل الفرق بينهما يرجع إلى أمرين أحدهما أنّ المقام هناك مقام الدّفع و المنع فيكفي مجرّد المنع و المقام فيما نحن فيه بعدالاعتراف بثبوت القبح لعنوان التّجري مقام الرّفع فلا بدّ إثباته ثانيهما أنّ المدّعي للفرق في استحقاق الذّم بين الشّخصين هناك كان منكرا و المسلّم بقبح التّجري في