بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢٦
الحاصل من الكتاب و السّنة بالنّظر إلى الواقع و لم يتعرّض لوجه تقديم الظّن الأوّل على الثّاني فلا بّد أن يكون الوجه فيه أحد الوجوه السّابقةفي كلامه فلا يعدّ هذا وجها مستقلاّ في إثبات المقام و إن كان وجها مستقلا في إثبات مرامه الّذي عرفته فيظهر الجواب عن التّرتيب الّذيزعمه بين الظّنين بملاحظة الجواب عن سائر الوجوه كما أنّه يظهر الجواب عن هذا الوجه بملاحظة ما تقدّم في مسألة حجيّة الأخبار من حيثالخصوص فراجع هذا مع أنّ ما أفاده قدس سره مضافا إلى ما فيه من وجوه غير مخفيّة قد تقدّمت غير محصّل المراد فإنّ غرضه من ذلك إثباتحجيّة الأخبار الحاكية عن السّنة قولا أو فعلا أو تقريرا عند التّأمّل و الأدلّة القطعيّة القاضية بالرّجوع إلى الكتاب و السّنة لا تعرض لها بالنّسبةإلى ما يحكى عنهما قطعا بل لا تعرّض لها بالنّسبة إلى حجيّة ظواهرهما عند التّحقيق و إن كانت حجّة من حيث الخصوص عندنا كما تقدّم تفصيل القولفيه في مسألة حجيّة ظواهر الكتاب فراجع و قال قدس سره السّابع أنّه لا شكّ في كون المجتهد بعد انسداد باب العلم مكلّفا بالإفتاء و أنّه لا يسقطعنه التّكليف المذكور من جهة انسداد سبيل العلم و من البيّن أنّ الإفتاء فعل كسائر الأفعال يجب بحكم الشّرع على بعض الوجوه و يحرم على آخرفحينئذ إن قام عندنا دليل علميّ على تميز الواجب منه عن الحرام فلا كلام في تعيّن الأخذ به و وجوب الإفتاء بذلك الطّريق المعلوم و حرمة الإفتاءعلى الوجه الآخر و إن انسدّ سبيل العلم بذلك أيضا تعيّن الرّجوع في التّميز إلى الظّن ضرورة بقاء التّكليف المذكور و كون الظّن هو الأقربإلى الواقع فإذا دار أمره بين الإفتاء بمطلق الظّن أو بمقتضى الظّنيّات الخاصّة دون مطلق الظّن لم يجز له ترك الفتوى مع حصول الأوّل و الإقدامعليه بمجرّد قيام الثّاني إذ هو ترك للظّن و تنزّل إلى الوهم من دون باعث عليه فإن قلت إن الظن بثبوت الحكم في الواقع في معنى الظّن بثبوتالحكم في حقّنا و هو مفاد الظّن بتعليق التّكليف بنا في الظّاهر فكيف يقال بالانفكاك بين الظّن بالحكم و الظّن بتعلّق التّكليف في الظّاهر المرجّحللحكم و الإفتاء قلت إن أقصى ما يفيده الظّن بالحكم هو الظّن بثبوت الحكم في نفس الأمر و هو لا يستلزم الظن بجواز الإفتاء أو وجوبه بمجرّد ذلكضرورة جواز الانفكاك بين الأمرين حسبما مرّ بيانه في الوجوه السّابقة ألا ترى أنّه يجوز قيام الدّليل القاطع أو المفيد للظّن على عدم جوازالإفتاء حينئذ من دون أن يعارض ذلك الظن المتعلّق بنفس الحكم و لذا يبقى الظّن بالواقع مع حصول القطع أو الظّن بعدم جواز الإفتاءبمقتضاه و دعوى أنّ قضيّة الظّن بثبوت الحكم في الواقع هو حصول الظن بتعلّق التّكليف ينافي الظّاهر و الظّن بجواز الإفتاء بمقتضاهإلاّ أن يقوم دليل قاطع أو مفيد للظّن بخلافه عريّة عن البيان كيف و ضرورة الوجدان قاضية بانتفاء الملازمة بين الأمرين و لو معانتفاء الدّليل المفروض نظرا إلى احتمال أن يكون الشّارع قد منع من الأخذ به نعم لو لم يقم هذا الاحتمال كان الظّن بالحكم مستلزماللظّن بتعلّق التّكليف في الظّاهر فإن قلت إنّ مجرّد قيام الاحتمال لا ينافي حصول الظّن سيّما بعد انسداد سبيل العلم بالواقع و حكمالعقل حينئذ بالرّجوع إلى الظّن قلت الكلام حينئذ في مقتضى حكم العقل فإنّ ما يقتضيه العقل توقّف الإفتاء على قيام الدّليل القاطععلى جوازه و بعد انسداد سبيله ينتقل إلى الظّن به و مجرّد الظّن بالواقع لا يقتضيه مع قيام الدّليل الظّني على جواز الإفتاء بظنيّاتمخصوصة نعم إن لم يقم دليل ظنّي على الرّجوع إلى بعض الطّرق ممّا يكتفى به في استنباط القدر اللاّزم من الأحكام و كانت الظّنون متساويةمن حيث المدرك في نظر العقل كان مقتضى الدّليل المذكور القطع بوجوب العمل بالجميع و جواز الإفتاء بكلّ منها لوجوب الإفتاء حينئذ و انتفاءالمرجّح بينها و أمّا مع قيام الدّليل الظّني فلا ريب في عدم جواز الرّجوع إلى مطلق الظّن بالواقع و الحاصل أنّ الواجب أوّلا بعد انسداد سبيلالعلم بالطّريق المجوّز للإفتاء هو الأخذ بمقتضى الدّليل القاضي بالظّن بجواز الإفتاء سواء أفاد الظّن بالواقع أو لا و مع انسداد سبيل الظّنبه يؤخذ بمقتضى الظّنّ بالواقع و يتساوى الظّنون حينئذ في الحجيّة و يكون ما قرّرنا دليلا قاطعا على جواز الإفتاء بمقتضاها انتهى ما أردنانقله من كلامه قدس سره و أنت خبير بأنّ المدّعى الواحد لا يختلف باختلاف التعبيرات ضرورة أنّ الواجب على المفتي في كلّ زمان الإفتاء بالأحكامالواقعيّة أو الظّاهريّة من الطّرق المقرّرة لها و هذا ممّا لم يختلف فيه أحد و إنّما الاختلاف في الطّرق و القائل بحجيّة مطلق الظن يقولإنّ الطّريق للأحكام مطلق الظّن المتعلّق بها بحسب الواقع فقط أو هو مع الظّن المتعلّق بها بحسب الظّاهر على الاختلاف و إنّ نتيجة مقدّماتالانسداد بحكم العقل ذلك لا خصوص الثّاني على ما تقدّم تفصيل القول فيه و دعوى كون الطّريق خصوصه محتاجة إلى الإثبات فلا بدّ منأن يتمسّك له ببعض الوجوه السّابقة فلا يكون هذا الوجه دليل مستقلاّ على المدّعى هذا مع أنّ ما أفاده في بيان تسليم الملازمة بين الظّن بالحكمو الظّن بجواز الإفتاء بقوله نعم لو لم يقم هذا الاحتمال إلخ غير محصّل المراد إذ مع انتفاء احتمال المنع يقطع بحجيّة الظّن بالخصوص فيحصل القطعبجواز الإفتاء فيخرج عن مفروض البحث لا أنّه يظنّ بجواز الإفتاء مع انتفاء هذا الاحتمال فلعلّه سهو من قلمه الشّريف أو غلط من النّاسخفلا تغفل ثمّ إنّه لو بني في المسألة على الاستدلال بهذا الوجه أمكن الاستدلال بنظيره بالنّسبة إلى ما دلّ على وجوب القضاء