بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢
بالنسبة إلى مبغوضات الحكيم قوله
فتأمّل إلخ(١)
أقول
يحتمل أن يكون الوجه في التّأمّل منع كون زيادة الذّم من جهة التّشفّي
المستحيل في حقّالحكيم تعالى بل من جهة ارتكاب نفس المبغوض الواقعي حيث
إنّ إلقاء النّفس في المهلكة و المضارّ مع الاختيار قبيح و موجب للذّم عند
العقلاء معقطع النّظر عن كونه ممّا نهى عنه المولى هذا مضافا إلى أنّ
الدّليل المذكور يضرّ المستدلّ قطعا حيث إنّ المدّعى عدم الاستحقاق في
المخطئ أصلاو رأسا لا الفرق في مرتبة الاستحقاق فإنّها ليست من محلّ
النّزاع و الكلام قطعا بل للخصم أن يستدلّ باعتراف المستدلّ على بطلان
مذهبه اللّهمإلاّ أن يقال إنّ الغرض مجرّد إبطال دعوى عدم تأثير الإصابة و
الذّم المسلّم في المخطئ إنّما هو من حيث الفاعل لا على الفعل هذا و اعلم
أنّه كما يستدلبالدّليل العقلي المذكور على القول باستحقاق المتجرّي
العقاب كذلك قد يستدلّ به على بطلان القول بأنّ التّجري موجب لاستحقاق
العقابمستقلاّ على ما هو لازم القول به و إن لم يلتزم به بعض القائلين على
خلاف التّحقيق الّذي ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى لأنّ لازم القول
بتعدّدالعقاب بالنّسبة إلى من صادف قطعه الواقع هو الالتزام بكون أحد
الاستحقاقين من جهة مخالفة الواقع الحاصلة من المصادفة الّتي ليستمن
الأمور الاختيارية على ما هو مبنى الاستدلال بالدّليل المذكور في بيان التفصيل الذي قال به صاحب الفصول في مسألة التجري
قوله
و قد يظهر من بعض المعاصرين التّفصيل في صورة إلخ(٢)
أقول
المعاصرصاحب الفصول ذكر ما نقله الأستاذ العلاّمة دام ظلّه عنه في باب
الاجتهاد و التّقليد عند الكلام في معذوريّة الجاهل في مبحث التّقليد
حيثقال بعد جملة كلام له و أمّا بالنسبة إلى المحرّمات فينبغي القطع بعدم
استحقاق الأجر لا سيّما إذا كان من الكبائر كما لو اعتقد الوثنيّ وجوب
عبادةالأوثان أو المخالف وجوب عبادة مشايخه فإنّه لا يستحقّ الثّواب بعمله
قطعا هذا إذا اعتقد الوجوب أو النّدب و أمّا إذا اعتقد التّحريم فلا يبعد
استحقاقالعقوبة بفعله و إن كان بطريق غير معتبر نظرا إلى حصول التّجري
بفعله إلاّ أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة إلى آخر ما حكاه عنه
فيالكتاب و حاصل ما ذكره قدس سره من التَّفصيل هو أنّ المكلّف إذا اعتقد
بحكم إلزاميّ سواء كان بالاعتقاد الجزمي أو الظّني المعتبر فلا يخلو الأمر
إمّا أن يكونموافقا للواقع و النّفس الأمر أو مخالفا له و على الثاني لا
يخلو إمّا أن يكون مصادفا لحكم إلزاميّ ضدّ ما اعتقده أو غير إلزاميّ و على
الأوّل من القسمينالأخيرين لا يخلو أيضا إمّا أن يكون اللّزوم فيه
تعبّديّا لا يسقط إلاّ بالإطاعة الغير المحقّقة بدون قصد التّقرب و
الامتثال أو توصّليا لا يشترط فيسقوطه ذلك فإن كان موافقا للواقع فليس
عليه إلاّ عقاب واحد و إن كان مخالفا للواقع فإن صادف الحكم الغير الإلزامي
أو الإلزامي التعبّدي فيحكمباستحقاق العقاب على مخالفة مطلق التّجري و إن
كان بالنّسبة إلى بعض أقسامه أشدّ و آكد و إن صادف الحكم الإلزامي
التّوصّلي فيحكم بعدم استحقاقهالعقاب مطلقا أو في بعض الصّور كما فيما إذا
كان ما للتجري من جهة القبح أقوى ممّا للحكم الإلزامي الواقعي من جهة
الحسن هذا حاصل ما يظهر منه منالتفصيل في المقام و كلامه المنقول في
الكتاب كما ترى و إن كان في خصوص اعتقاد التّحريم الغير الموافق للواقع
إلاّ أنّ من المعلوم عدم فرقه بين التّحريمو الوجوب كما هو واضح و من هنا
نسبنا التّفصيل بما عرفت إليه مع أنّ كلامه لم يكن وافيا به و مساعدا عليه نعم
الظّاهر من بعض أمثلتهفي طيّ كلامه هو كون المراد الأعمّ كما لا يخفى نعم
ذكر في باب التّقليد في فصل معذوريّة الجاهل قبل هذا الكلام المنقول عنه
في الكتاب أنّهلو اعتقد وجوب ما ليس بواجب فإن كان من طريق معتبر كان
مستحقّا للثّواب و لو صادف الحرام الواقعي و إن لم يكن من طريق معتبر لا
يستحقّ الثّواب إذاصادف الحرام قطعا و يستحقه على إشكال إذا صادف غير
الحرام هذا حاصل كلامه و لا دخل له بالمقام أصلا و إن كان لا يخلو عن
مناقشة كماستعرف إن شاء اللّه تعالى في بيان أن التجري مما يستقل بقبحه العقل ذاتا
ثمّ
إنّ مدرك هذا التّفصيل على ما يفصح عنه كلامه قدس سره هو عدم كون قبح
التّجري ذاتيّا مستحيل الانفكاك عن الذاتحتّى لا يتفاوت الأمر بين صور
المصادفة مع غير الحرام بل بالوجوه و الاعتبارات المنضمة إليه فالتّجري
الغير المصادف للإتيان بالواجب الواقعي الغيرالمشروط بقصد التّقرب قبيح و
التّجري المصادف له غير قبيح مؤيّدا ذلك ببناء العقلاء على عدم استحقاق
المتجرّي المؤاخذة على فعله في القسم الأخيرإذا اطّلعوا عليه كما يظهر ممّا
ذكرنا من المثال العرفي و غيره بل استحقاقه المدح في بعض الصّور من غير
فرق في ذلك بين التّجري بارتكاب ما يقطعبحرمته و بين ما أدّى الطّريق
المعتبر إلى حرمته و إن لم يجوّز العقل التّجري لمن قام في حقّه الطّريق
باحتمال خطائه و مصادفته لما يكون العبد بفعلهمعذورا من جهة استقلاله
بوجوب دفع الضّرر المظنون و اختيار ما يقطع معه بالسّلامة هذاو أورد
الأستاذ العلاّمة عليه بوجوه منالإيرادات الأوّل
أنّه لا معنى لمنع كون قبح التّجري ذاتيا بل بالوجوه و الاعتبار فإنّا و
إن لم نقل بكون الحسن و القبح ذاتيّين في جميع الأفعال إلاّأنّا لا نقول
بكونهما اعتباريّين كذلك أيضا بل تختلفان بحسب المقامات كما اختاره هذا
المحقّق المفصّل أيضا في مسألة التّحسين و التّقبيح العقليّينو التّجري
على المولى ممّا يستقلّ العقل بقبحه ذاتا سواء كان على المنكشف أو الكاشف و
إن هو من هذه الجهة إلاّ كالظّلم الّذي يستقلّ العقل بقبحه ذاتابمعنى عدم
انفكاك ذات الظلم أينما تحقّقت عن القبح فالأذيّة إن لم تكن قبيحا لم تكن
ظلما كضرب اليتيم للتّأديب و أكل مال الغير تقاصا بل التّحقيقأنّ التجري
على المولى يشبه الظّلم عليه لأنّ الظّلم عبارة عن فعل ما لا يجوز بالنّسبة
إلى المظلوم و من المعلوم أنّ التّجري على المولى كمعصيته ممّا يستقلّ