بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٥
المقيّد بالطّريق هو التّكليف الفعلي الّذي هو مدار الإطاعة و المعصية و لوازمها من استحقاق الثّواب و العقاب و غيرهما على ما يفصحعنه كلماته قدس سره كما عرفت عن أخيه قدس سره في الوجه الأوّل فيعتبر تعلّق العلم أو الظّن بالحكم النّفس الأمري المطلق المعرى عن جميع القيود والاعتبارات الإدراكيّة موضوعا للحكم الفعلي فيكون هنا قضيّتان فلا يلزم دور فيندفع الإيراد الثّاني بل الأوّل عند التّأمل لأنّالالتزام بانحصار التّكليف الفعلي بما قام به الطّريق المعتبر بقول مطلق من غير فرق بين العلم و غيره ممّا لا ضير فيه أصلا بل لا بدّ منالالتزام به و لا تعلّق لهذا بمسألة التّصويب و لا يقول المصوّبة به كيف و هم ينكرون الأحكام الواقعيّة و ثبوت القضيّتين بالمعنىالّذي عرفت قلت ما ذكر في دفع الإيراد توهّم فاسد و تمحّل بارد و إن تكرّر في كلمات القائلين بحجيّة الظّن بالطّريق بل في كلام شيخناالأستاذ العلاّمة قدس سره فإنّ المجعول الشرعي إنّما هو الأحكام الواقعيّة و الظّاهريّة و فعليّة الأحكام الواقعيّة و تنجّزها يتعلّق العلم بهاأو الظّن المعتبر أو الشّك بل مجرّد الاحتمال و لو كان موهوما في مقام ليست من المجعولات الشّرعيّة بل إنّما هي من شئونها و مراتبها بحكمالعقل الحاكم في مسألة استحقاق العقاب فليس هنا قضيّتان شرعيّتان اعتبر العلم بإحداهما في موضوع الأخرى هذا و قد مضىشطر من الكلام في ذلك في أوائل التّعليقة مع أنّ كلام المحقّق المحشّي قدس سره يأبى عن الحمل على ذلك في المقام في بقيّة الجواب الثّاني عن دليل المحقّق المحشّي قدس سره فإن قلت إنّ المرادمن التّكليف الآخر المقيّد هو التّكليف بوجوب الامتثال و الإطاعة الّذي لا يمكن إنكار ثبوته في الشّرعيّات كيف و قد قضت به الأدلّةالثّلاثة و إن حكم به العقل أيضا قلت ما دلّ من الأدلة الشّرعيّة على وجوب الامتثال بالوجوب الإرشادي إنّما هو إمضاء و تأكيدلما حكم به العقل المستقلّ و إلاّ فليس الامتثال و إطاعة المولى أمرا يقبل تعلّق التّكليف الشّرعي به فلو قيّد بشيء فلا بدّ أن يقيده العقلو قد عرفت أنّ العقل قد يحكم بوجوب الامتثال مع الشّك بل الاحتمال أيضا فليس هنا تكليف شرعيّ قيّد بالطّريق فإن شئت قلت إنّوجوب الامتثال غير مقيّد بشيء من الأشياء نعم نفس الامتثال لا يتحقّق إلاّ بجعل الدّاعي على الفعل الأمر الشّرعي الواقعي سواء علمأو ظنّ أو احتمل من غير فرق بين هذه الحالات و من غير فرق بين التّعبديّات و التوصّليات غاية ما هناك سقوط الأمر في التّوصلياتبإتيان الواجب من دون أن يأتي بالدّاعي المذكور و لو مع الغفلة أو في ضمن الحرام و لكن الامتثال لا يتحقّق إلا بما ذكر فالأمر بالطّريقبما هو أمر به لا يقتضي امتثالا و لا إطاعة لأنّه غيري دائما و إنّما الاقتضاء للأمر الواقعي كما هو ظاهر هذا و سيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء اللهتعالى فإن قلت إذا لم يكن التّكليف بالعمل بالطّريق مقيّدا لشيء من التّكاليف و الأحكام و المفروض أنّه ليس تكليفا مستقلاّفي قبال التّكليف بالواقع على ما ذكرت فما معناه و حقيقته قلت التّكليف بالعمل بالطّريق مرجعه إلى جعل حكم ظاهري في نفسالأمر في موضوعة الّذي اعتبر فيه الجهل بحكمه المجعول له أوّلا و بالذّات و إن كان إرشاديّا فهو من سنخ الحكم الواقعي و إن لم يكنفي مرتبة و لا يترتّب عليه جميع ما يترتّب عليه من اللوازم و الآثار نعم يلزم اكتفاء الشّارع به عن الواقع في حكم العقل بمعنىالبناء عليه في حكمه ما دامت الأمارة قائمة و معذوريّة المكلّف في مخالفة الواقع في حكمه ما لم ينكشف مخالفته للواقع فهو حكمواقعي بمعنى و ظاهري بمعنى و مرجعه إلى ترخيص الشّارع بسلوكه في امتثال الواقع و إن جاز مع وجوده امتثال نفس الواقع من غير التفاتإليه هذا و قد مضى شطر من الكلام في ذلك و سيأتي تمامه فانتظر في الجواب الثّالث عن ذلك و ثالثا أنّه لم يعلم المراد من كون العلم كالظّن المعتبر طريقافي الشّرع و العقل على ما هو المكرّر في كلامه و كلام أخيه قدّس سرهما في الفصول فإنّه إن أراد كشفه الذّاتي عن المعلوم فهو أمر ثابت له بحسبذاته كما أنّ الكشف الظّني للظّن أيضا ثابت له بحسب ذاته و إن لم يكن معتبرا من دون جعل من غير دخل للشّرع و العقل فيه أصلا نعم لمّا كان هذا الأمر ثابتا فلا محالة يدركه الشّرع و العقل و إن أراد اعتباره كما هو الظّاهر من كلامه ففيه ما عرفت مرارا أنّ اعتبار العلمفيما كان الحكم ثابتا لذات المعلوم ككشفه ذاتي لا يمكن تعلّق الجعل به و إنّما يدركه الشّرع و العقل ككشفه الذّاتي و هذا بخلاف الظّنّو لو سلّم إمكانه فيصير كالظّن فيكون الحكم بوجوب العمل به غير الحكم المعلوم المجعول في نفس الأمر فيكون ثابتا و إن تخلّف عن الواقع كماأنّه ثابت و إن لم يتعلّق به العلم على ما عرفت سابقاقوله قدس سره انتهى بألفاظه(١)أقول الأولى نقل باقي كلامه قدس سره ممّا يتعلّقبهذا الوجه لما يترتّب عليه من الفوائد المقصودة قال قدس سره عقيب ما في الكتاب بلا فصل فإن قلت إن قام أوّلا طريق من الشّرعفي الوصول إلى الحكم و الحكم معه بتفريغ الذّمة عن التّكليف فلا كلام و إن لم يقم فالواجب أوّلا تحصيل العلم بالواقع فمع تعذّره ينوب منابهالظّن بالواقع أو يقال إن لم يقم طريق مقرّر من الشّرع للوصول إلى الواقع كان العلم هو الطّريق إلى الواقع و إن قام اكتفي بما جعله طريقا فإنلم يثبت عندنا ذلك أو ثبت و انسدّ سبيل العلم به كان المرجع هو العلم بالواقع إذ القدر المسلّم من التّكليف بالرّجوع إلى الطّريق