بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٠
الثّاني من الكتاب في الجواب الخامس من أجوبة استدلال صاحب الفصول قوله قدس سره و خامسا سلّمنا العلم الإجمالي إلخ(١)أقول الوجه فيما أفاده تسليما من عدم إيجاب العلم الإجمالي بنصبالطّرق الكافية الموجودة فيما بأيدينا من الأمارات مع الإغماض عن وجوب الاحتياط تعيّن الرّجوع إلى مفاد الطّرق المجعولة بالمعنىالمتوهّم للمستدلّ ما أسمعناك سابقا من أنّ حصر الحكم الفعلي في مؤدّيات الطّرق و إن كان من جهة دلالة نفس الطّرق عليه فهي ممنوعةجدّا و لم يتوهمه متوهّم أيضا بل لا يعقل دلالتها عليه كما هو ظاهر و إن كان من جهة دلالة دليل اعتبارها و وجوب العمل بها عليه من حيثظهورها في الوجوب التّعييني فهي أشدّ منعا ضرورة أنّه لا معنى لتعيين إيجاب العمل بالطّرق إلى الواقع في مقام التمكّن من تحصيل نفسالواقع نعم يمكن تعلّق الوجوب التّعييني بالعمل بالطّرق في موضوع الجهل ما دام موجودا كما يتعلّق الخطاب التّعييني بالتّمام ما دامالمكلّف حاضرا فيجوز له رفع الموضوع الموجب لرفع الحكم المتعيّن و إن كان من جهة دلالة العقل عليه من حيث إنّه يحكم بقبح المؤاخذة علىمخالفة الواقع الّتي أدّى إليها سلوك الطّرق المجعولة فالواقع الّذي أدّى الطّريق إلى خلافه لا يؤاخذ على مخالفته و هذا معنى كون الحكم الفعليتابعا لمؤدّى الطّريق ففيه أنّ المعذوريّة بالمعنى المذكور لا يقتضي إلاّ ترخيص سلوك الطّرق المجعولة عند و إن كانت مخالفة للواقع فينفس الأمر لا عدم جواز تحصيل الواقع عند العقل و عدم القناعة به في رفع المؤاخذة هذا فإن شئت قلت إنّ لازم العلم الإجمالي بالخطاباتالواقعيّة و الأحكام الشّرعيّة الإلزاميّة في حكم العقل تنجّزها عنده غاية ما هناك كون سلوك الطّريق المجعول علما أو ظنّا عند العجز عنتحصيل العلم بالواقع و الطّريق موجبا لمعذوريّة المكلّف عند العقل عند المخالفة كما أنّ العمل بالواقع علما أو ظنّا عند تماميّة مقدّماتالانسداد موجب للأمن من العقاب عند العقل فغاية ما يتصوّر للظّن بالطّريق كونه في مرتبة الظّن بالواقع بناء على تقرير الحكومة فكيفيحكم بتقدّمه عليه و لا فرق فيما ذكرنا بين كون الطّريق المجعول مجعولا مطلقا حتّى عند التّمكن من تحصيل العلم التّفصيلي بالواقع فيسمّىعندهم بالظّن الخاصّ المطلق فيجوز للمكلّف عند العقل الأخذ بمؤدّى الطّريق و القناعة به عن الواقع ما لم ينكشف الخطأ و إن جاز معهتحصيل الواقع علما أيضا كما أنّه يجوز له من أوّل الأمر تحصيل العلم بالواقع فيرتفع موضوع الطّريق المجعول في حقّ الجاهل بالواقع فليس جوازالأمرين في حقّه من التّخيير الشّرعي الاصطلاحي و إن هو إلا نظير القول بجواز اختيار السّفر للحاضر الموجب لرفع موضوع التّمام و هذا الّذيذكرنا مراده قدس سره من التّخيير في قوله مثلا إذا فرضنا حجيّة الخبر مع الانفتاح تخيّر المكلّف إلى آخره لا ما يتوهّمه من لا خبرة له و بين كونه مجعولاعند العجز عن تحصيل الواقع فيسمّى بالظّن الخاصّ المقيّد فإنّ تقديم سلوكه على الظّن بالواقع إنما هو مع التّمكن من تحصيل العلم به منحيث إنّه موجب للقطع بمعذوريّة المكلّف في مخالفة الواقع و سقوطه عنه في مرحلة الظّاهر و الظّن بالواقع لا يوجبه مع التّمكن من تحصيلالطّريق المذكور علما و إن أوجبه مع العجز عنه في حكم العقل كالظّن بالطّريق بناء على الحكومة ثمّ إنّه كما يتعيّن سلوك الطّريقالمجعول بقسميه مع التمكن من تحصيل العلم به أو تحصيله من الطّرق الشّرعيّة المعتبرة بالخصوص في مقابل الظّن المطلق بالواقع كذلكيتعيّن سلوكه في مقابل الاحتياط الكلّي بالنّسبة إلى الواقع أمّا على القول بتقديم الامتثال التّفصيلي المعتبر على الامتثال الإجمالي العلميّعلى ما عرفت الكلام فيه في محلّه فواضح و أمّا على القول بجواز الامتثال الإجمالي مع التمكّن من الامتثال التّفصيلي فلإيجابه الاختلال الّذييحكم العقل بقبح تجويز ما يوجبه و الاحتياط الكلّي في الأحكام الشّرعيّة مع فرض انسداد باب العلم في أغلبها يوجب ذلك قطعا على ما عرفتالكلام فيه في طي المقدّمات و منه يظهر أنّ ما ذكرنا في طي التّعليقة و ذكره شيخنا قدس سره في مطاوي كلماته من كون الامتثال العلمي الإجماليممّا يحكم العقل و النّقل بحسنه و رجحانه و جوازه حتّى مع التّمكن من الامتثال العلمي التّفصيلي فضلا عن التّمكن من الامتثال الظّني التّفصيليبالظّن الخاصّ فضلا عن الظّن المطلق فإنّما هو بالنّظر إلى القضيّة الطبيعيّة و ملاحظته في نفسه و الأخذ به في الجملة لا في جميع الأحكام فإنّهقبيح في حكم العقل من حيث استلزامه للقبح فما ذكرنا مرارا و قرع سمعك من صحّة عمل المحتاط التّارك لطريقي الاجتهاد و التّقليد إنّماهو فيما إذا بني على الاحتياط في بعض الأحكام المثبتة لا في جميعهافي بيان الفرق بين الحرج البالغ حدّ الاختلال و دونه نعم لو لم يبلغ الحرج اللاّزم من الاحتياط في جميع أحكام المشتبهحدّا يخلّ بنظام المعاش و المعاد لم يمنع تعسّره من جوازه و رجحانه و إن منع من إيجابه لأنّ رفع ما يوجب العسر الغير البالغ حدّ الاختلال إنّماهو بحكم الشّرع فقط على ما عرفت مرارا في قبال من تخيّل كون رفعه عقليّا أيضا و الدّليل الشّرعي القائم عليه لا يدلّ إلاّ على أنّالشّارع لم يوجب الأمر الحرجي على العباد و من هنا حكمنا بصحّة الوضوء و الغسل و الصّوم و نحوها مع الحرج الّذي لا يحتمل عادة و حكمنابفسادها مع لزوم الضّرر من فعلها على المكلّف و منه يظهر أنّه لا يمنع تعسّره من إيجابه تخييرا أيضا فلا يقال إنّه كيف يقصد الوضوء للصّلاةالواجبة فيما كان عسرا مع أنّ الأمر الإيجابي يقتضي إيجاب مقدّماته فإنّا نلتزم في موارد تعسّر الطّهارة المائيّة بالتّخيير بينها و الطّهارة التّرابية