بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٠
من حيث هو فتأمّل في بيان كيفية تعلق الذم بالأوصاف الغير الاختيارية و سائر ما يتعلق بالمقام
لأنّا نقول
أوّلا أنّ تعلّق الذّم بما هو خارج عن الاختيار إذا لم يتعقّب عقوبة ممّا
لا بأس به و إن هو إلاّ نظير مدح الشّيءعلى صفائه و ذم الشّيء بكدورته و
ثانيا أنّه لا دليل على وجوب إزالتها لبقاء الاختيار معها قطعا و ليست علّة
تامّة لاختيار المعاصي حتّى يقال بوجوبإزالتها و لم يدل دليل خاصّ على
وجوب إزالتها من جانب الشّرع كما في جملة من الرّذائل حيث إنّه لا دليل على
وجوب إزالتها ما لم يفض إلى الحرام بالوجوبالشّرعي و إن وجبت بالوجوب
الخلقي فافهم
فلا يلزم الحكم بوجوب إزالتها إذا و ثالثا أنّ القول بوجوب إزالتها لا
ينفع الخصم في المقام إذ وجوب إزالتهالا يدلّ على حرمة الفعل الصّادر عنه
بنحو من الدّلالة كما هو واضح و لعلّ الثّمرة بين تحريم الفعل و مجرّد
المؤاخذة من جهة أخرى ظاهرة هذا و بمثل ما ذكرنافليتحرر المقام لا بمثل ما
حرّره الأستاذ العلاّمة دام ظلّه فإنّه لا يخلو عن مسامحة و مناقشة فإن
الظّاهر منه تسليم كون التجري قبيحا حسب ما يفصح عنهمقالته في طيّ كلماته
الآتية أيضا من جهة كشفه عن سوء سريرة العبد و كونه في مقام الطّغيان مع
السيّد و عصيانه فيرد عليه أنّه بعد تسليم قبحالتّجري و لو من الحيثيّة
المذكورة لا معنى للمنع عن اتّصاف الفعل بالحرمة و المبغوضيّة من جهة
اتّحاده مع ما هو مبغوض و مورد للقبح فإنّه لا إشكالفي صدق التّجري على
الفعل فيكون هذا عين الالتزام بما ادّعاه الخصم من صيرورة الفعل حراما من
جهة اجتماعه مع العنوان المبغوض إذ لم يرد القول بأنّنفس اعتقاد الحرمة من
الأسباب الموجبة لحرمة الفعل حتّى يقال بأنّ هذا ممّا لا معنى له لأنّه لا
يعقل أن يكون علم المكلّف بالحرمة مؤثّرا في إيجادهاكيف و قد عرفت في
تحرير محلّ النّزاع في أوّل المسألة أنّ هذا ممّا لا يقول به أحد و لا
يدّعيه جاهل فضلا عن عالم في الجواب عن الدليل العقلي الذي أقاموه لحرمة التجري
(١)
فقوله
دام ظلّه و الحاصل أنّ الكلامفي كون هذا الفعل الغير المنهيّ عنه واقعا
إلى آخر ما ذكره لا يخلو عن مسامحة كما أنّ قوله المتقدّم عليه أيضا و هو
قوله و من هنا يظهر الجواب عن قبحالتّجري إلى آخره لا يخلو عن مسامحة
واضحة بعد ما عرفته فالقول بأنّ التّجري قبيح من أيّ وجه كان لا يجامع
القول بعدم حرمة الفعل نعم
لو قيلبأنّ التّجري من الأوصاف و الحالات الغير الصّادقة على الفعل لم يكن وجه لإيجاب قبحه تحريم الفعل و كان الأستاذ يحتمل ذلك فتدبّر
هذا مجملالكلام بالنّسبة إلى ما يقال من المناقشة على الوجه الثّاني و الثالث و أمّا الوجه الرّابع
فلأنّا نلتزم بالشق الرابع و هو استحقاق من صادف قطعهالواقع دون من لم
يصادف و لا يتوجّه عليه شيء لأنّا لا نقول بأنّ العقاب للمصادفة و عدم
العقاب لعدم المصادفة حتّى يقال بأنّه يلزم القولبإناطة العقاب و عدمه
بالأمر الغير الاختياري بل نقول إنّ من صادف قطعه الواقع يستحقّ العقاب
لأنّه عصى اللّه و خالفه مع اجتماع جميع شرائطالتّكليف له من العلم و
الاختيار و غيرهما و من لم يصادف لا يستحقّ العقاب لأنّه لم يعص اللّه لأنّ
العصيان عبارة عن الإتيان بما هو مبغوض للمولى ومتعلّق لنهيه مع اجتماع
جميع شرائط التّكليف في الفاعل و المفروض أنّ من لم يصادف قطعه الواقع لم
يأت بما هو متعلّق لنهي المولى واقعا غاية الأمر أنعدم إتيانه به كان من
جهة عدم مصادفة قطعه للواقع اتّفاقا و الحاصل
أنّ استحقاق العقاب إنّما يترتّب بحكم العقل على معصية المولىالحاصلة
بإتيان ما هو مبغوض له مع اجتماع شرائط التّكليف الّتي ترجع حقيقة إلى شرط
المبغوضيّة الفعليّة الّتي هي مناط الاستحقاق فلا معنى لثبوتاستحقاق
العقاب في غير الصّورة سواء كان هناك اعتقاد بالمبغوضيّة أم لا ضرورة أنّ
الاعتقاد لا يوجب تعلّق النّهي بالمعتقد على ما اعترف به الخصمأيضا و لازم
هذا المعنى اختيار الشّق الرابع و ليس فيه إناطة استحقاق العقاب بما هو
خارج عن الاختيار حسب ما عرفت توضيحه هذا و إلى ما ذكرنايرجع ما أفاده
بقوله قولك إن التفاوت إلى آخره فإن منع حسن التّفاوت بين الأمرين أي
الاستحقاق و عدمه مستند إلى كون الثّاني من جهة الأمرالغير الاختياري مع
عدم القبح فيه فحصل التّفاوت من جهة الأمر الغير الاختياري إلاّ أنّ ما
ذكرنا من التّحرير واضح فإنّ المقصود منه و إن كان ماذكرنا كما عرفت إلاّ
أن التوهّم في بادئ النّظر ربما يتوهّم فتسليمه دام ظلّه بصحّة إناطة
استحقاق العقاب و عدمه بما هو خارج عن الاختيار مع أنّها ممّايشهد ضرورة
العقل بفسادها و قد اعترف به دام ظلّه في كلامه السّابق و إن كان هذا ليس
مرادا قطعا بل المراد حسب ما عرفت نفي ما ربما يظهر منكلام المستدلّ من
أنّ عدم العقاب أيضا لا يمكن أن يكون من جهة الأمر الغير الاختياري فأراد
بهذا الكلام الإشارة إلى فساد هذا التوهّم فالمقصودمن منع عدم حسن الإناطة
إنّما هو باعتبار مجموع العقاب و عدمه و لو كان راجعا في الحقيقة إلى
الأخير لا باعتبار كلّ واحد بمعنى صحّة إناطة كلّمن العقاب و عدمه بالأمر
الغير الاختياري مضافا إلى ما عرفت من كون عدم العقاب مستندا حقيقة إلى عدم
ثبوت المقتضي له و إن كان له نحو منالاستناد إلى عدم المصادفة أيضا و هو
ممّا لا ضير فيه كما هو واضح بل قد يقال بأنّ العصيان الموجب لاستحقاق
المؤاخذة و العقاب يحصل بما يكونبعض مقدّماته خارجا عن الاختيار قطعا
كالحياة و القدرة و نحوهما ممّا يكون بإفاضة اللّه تعالى فإذا لا ضير في
دخل بعض الأمور الخارجة عنالقدرة في تحقّق العصيان المنوط بالاختيار مع
وجود الطّلب الإلزامي فافهم
فملخّص ما ذكرنا كلّه أنّ من يريد القول باستحقاق العقابلا بدّ من أن
يثبت قبح التّجري و كونه من مقولة الفعل لا الصّفات و الحالات و كان
الأستاذ العلاّمة في مجلس البحث متردّدا في ذلك و لهذا لم يجزمبأحد
الطّرفين في آخر المسألة في الكتاب أيضا و إن كان ما عرفت من كلامه ظاهرا
في جزمه بعدم تأثير التّجري في حرمة الفعل و الإنصاف أنّ الجزم