بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٩٦
غير الشّارع أصلا إذ الظّاهر من قوله تعالى و ما جعل عليكم في الدّين من حرج و نحوه هو ما ذكر لا غيره فيبقى الغير تحت العمومات و الأدلّة المقتضيةللتّكليف بالأمور المتعسّرة فإذا كان موضوع وجوب الاحتياط و السّبب فيه اشتباه الحكم الإلزامي الصّادر من الشّارع بحيث لو لم يكنتقصير من المكلّفين في حفظه و تبليغه بل في اختفاء من كان حافظا للدّين و مبيّنا لما اشتبه من أحكام جدّه سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه و آله للمكلّفينلم يقعوا في الاشتباه جدّا فلا ينفي تلك الأدلّة في أنّ المنفي بأدلّة نفي الحرج هو الحكم الشّرعي لا العقلي ثانيهما أنّ المنفي بتلك الأدلّة هو الحكم الشّرعي لا العقلي فإنّ صريح قوله تعالى و ما جعلالآية هو المجعولات الإلهيّة لا العقليّة و من المعلوم ضرورة أنّ الحاكم بوجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتكليف الإلزاميهو العقل و ما ورد من الأخبار بعنوان العموم لا يستفاد منها وجوب الاحتياط و على تقدير الدّلالة يكون مؤكدّ لحكم العقل نظيرما دلّ من الآيات و الأخبار على وجوب الإطاعة و حرمة المعصية فإن شئت قلت إنّ الاحتياط من مراتب الإطاعة الّتي لا يمكن أنيتعلّق بها حكم شرعي مولويّ فلا ينفيه ما دلّ على عدم جعل الحكم الحرجي في الدّين إذ هو مفسّر و شارح لما أثبته الشّارع من الأحكامفكما أنّ إثبات وجوب الاحتياط في موارد العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي ليس من الشّارع كذلك نفيه ليس منه بما ينفي المجعولاتالشّرعيّة هذافي بيان فساد الوجهين المذكورين و لكنّك خبير بفساد كلا الوجهين أمّا الأوّل فلما ذكره قدس سره في الكتاب من منع الاختصاص أوّلا لأنّ دخل المكلّففي تحقّق موضوع الحكم و تسبيبه له لا دخل له في جعل الحكم و لا أثر له بالنّسبة إليه أصلا فالجعل دائما من الشّارع سواء كان في الموضوع العسريأو الضّرري فوجوب الغسل على المريض المجنب عمدا و إن أصابه من المرض ما أصابه ممنوع و كذا أشباهه و أمثاله نعم لو قام هناكدليل قطعيّ على جعل حكم حرجيّ أو ضرريّ أو ظنّي معمول به عندهم لخرجنا به عمّا دلّ على نفي الحرج و الضّرر من غير فرق بين أن يكون السّببلإيجاد موضوعه نفس المكلّف أو غيره و من هنا يحكم بوجوب الجهاد و الاجتهاد و إن سلّم كونه حرجيّا و أغمض عمّا في الكتاب من منعه بأنّمزاولة العلوم لأهله إلى أخره من جهة ما أفاده فيما سيجيء من كونه أشقّ من طول الجهاد و أمّا العمومات المثبتة للتكليف فهي محكومةبالنّسبة إلى ما دلّ على نفي الأمرين من غير فرق بين الصّورتين هذا مع الإغماض عن كون النّافي لوجوب الاحتياط في المقام العقل بملاحظةلزوم الاختلال و تسليم التّوهم المذكور على تقدير الإغماض بالنّسبة إلى ما التزم به المكلّف من الأمور الشّاقة ثانيا فيفرق بين المريضالمجنب عمدا فلا يجب عليه الغسل و بين الأجير على الأعمال الشّاقة فيجب عليه الوفاء من حيث إنّ إيجاب الوفاء في حقّه يرجع إلى إيجابالوفاء بما التزم على نفسه باختياره كالنّاذر للأمور الشّاقة فمرجع الجعل في هذا القسم إلى إمضاء ما التزم به المكلّف و هذا التّسليم لا ينفعالمتوهّم في المقام فإنّه من القسم الأوّل لا الثّاني كما لا يخفى و أمّا الثّاني فلأنّ إيجاب الاحتياط و إن كان عقليّا و الحاكم به و إن كان هوالعقل المستقلّ إلاّ أنّه كاشف عن حكم شرعيّ مطابق له بقاعدة التّلازم جدّا و إلاّ لم يكن دليلا متّبعا معتبرا فإذا حكم الشّارع بعدم جعلالحكم الحرجي مطلقا سواء كان حكما واقعيّا أو ظاهريّا فيكشف ذلك عن عدم مؤاخذة الشّارع على الواقع المجهول المعلوم إجمالا في مواردتعسّر الاحتياط في تحصيله فيرفع موضوع حكم العقل بوجوب الاحتياط و من هنا حكموا بعدم وجوب الاحتياط في الشّبهة الغير المحصورةو حكم الشّارع بعدم وجوبه عند اشتباه القبلة و قنع بالصّلاة إلى أربع جهات فتدبّرقوله قدس سره نعم من لم يوجب الاحتياط إلخ(١)أقول فلعلّ المجيب المورد بما ذكر هو ممّن لا يوجب الاحتياط حتّى مع العلم الإجمالي بالتّكليف كما يشهد له قوله بعدم الدّليل علىوجوب الاحتياط و كونه أمرا مستحبّا بل هو الظّاهر فالغرض من الاستدراك بيان كون الإيراد مبنيّا على هذا الزّعم الفاسد لا على ملاحظةالشّك في الواقعة مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي الكلّي حتّى يتوجّه على أنّ الإغماض و قطع النّظر لا يوجب رفع الأثر من العلم الإجمالي الموجودبالفرض فتدبّرفي بيان ما حقّقه المتكلّمون في وجه اعتبار معرفة الوجه و قصده قوله قدس سره قال في الإرشاد إلخ(٢)أقول ما ذكره في الإرشاد يحتمل وجهين أحدهما كون كلّ من المعرفة وإيقاع الفعل على وجهه بعد المعرفة واجبا مستقلاّ و شرطا في صحّة العبادة من غير أن يكون المعرفة مقدّمة لقصد الوجه كما ربما يتراءىمن العبارة في النّظرة الأولى ثانيهما كون المعرفة مقدّمة للقصد من غير أن يكون شرطا مستقلاّ في العبادة و لعلّه الظّاهر بعد ملاحظةعدم القول باعتبارها على الوجه الأوّل و إن قيل باعتبار الأوّل دون الثّاني أو الثّاني دون الأوّل إلاّ من باب المقدّمة العقليّة حيثإنّ القصد إلى عنوان الفعل يتوقّف عقلا على معرفته ثمّ إنّا قد أشرنا عند البحث عن حكم العلم الإجمالي و كون الاحتياط طريقامع التّمكن من تحصيل الظّن المعتبر إلى ما زعمه المتكلّمون و جمع من الفقهاء وجها لاعتبار معرفة الوجه أو قصده في تحقّق الإطاعة و إلى فساده و نشيرهنا أيضا على سبيل الإجمال و الاختصار طلبا لمزيد البصيرة و تنبيها لبعض ما طوينا ذكره هناك فنقول إنّ المستفاد من كلماتهمفي وجه ما ذهبوا إليه هو أنّ الفعل إنما يجب شرعا من حيث كونه معنونا بعنوان منطبق عليه لا بعنوانه الأوّلي و باعتبار كونه فعلا