بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٨٧
و إمّا من القول به فيهما فالتّفصيل لا معنى له و إن كان هذا منظورا فيه بعد التّأمّل فيما تلوناه عليك ثمّ
إنّ الوجه المذكور للتّأمّلدعاه قدس سره إلى العدول عمّا أفاده إلى
الجواب عن القاعدة في الضّرر الدّنيوي بقوله و الأولى و الأسلم في الجواب
إلى آخره الرّاجع إلى منع استلزام الظّنبالحكم الإلزامي للظّن بالمفسدة
الكامنة في الفعل من غير احتياج إلى إثبات التّدارك و إن قلنا بتبعيّة
الأحكام للمصالح و المفاسد على ما هوالمفروض إذ لا يلزم القول بذلك القول
بوجود المفاسد في ذوات الأفعال بل يكفي الالتزام بوجود المفاسد الدّاعية
للطّلب و الباعثةعليه في الجملة و لو كان في الفعل باعتبار وجوده بعنوان
المعصية و لا يلزم عليه محال من حيث إنّ تحقق الإطاعة و المعصية متأخّر عن
الطّلبالمتأخّر عن جهته أعني المصلحة و المفسدة إذ الحكمة الدّاعية على
الطّلب و العلّة الغائية له لا بدّ أن يكون مقدّمة عليه من حيث التصوّرو إن
كانت متأخّرة عنه من حيث الوجود كما هو الشّأن في مطلق العلل الغائية حتّى
الموجودة في ذوات الأفعال فإنّ وجود الأفعال متأخّرعن الطّلب و تصور
المعصية لا يتوقّف على وجود طلب خارجيّ و من هنا حكموا بأنّ المصلحة في
العبادات إنّما هي في وجودها بعنوان الإطاعة لامطلقا فتحصل من ذلك أنّ
القول بالتبعيّة لا يلزم وجود المفسدة في ذات الفعل فنقول في توضيح الجواب
بعد منع الملازمة المذكورةإنّ الظّن بالتّحريم مثلا إنّما يكون ظنّا
بالمفسدة إذا كان ظنّا بالمعصية و لا يكون ظنّا بها إلاّ بعد حجيّة الظّن و
هو محال كما عرفته في الضّررالأخرويّ طابق النّعل بالنّعل و لا يلزم من
ذلك عدم حكم العقل في موارد احتمال الحكم الإلزامي بحسن الاحتياط و رجحانه
من جهة أنّ تحقّقالإطاعة مثلا يتوقّف على ثبوت الطّلب المفروض عدمه في
مورد الاحتمال حيث إنّ المنع الّذي ذكرنا لم يكن مبنيّا إلاّ على احتمال
تبعيّة المفسدةللعصيان مع احتمال تبعيّتها لذات الفعل فلا ينافي حسن
الاحتياط المبنيّ على الاحتياط كما لا يخفى و هذا الوجه و إن أمكن تصحيحه
في الجملة بتكلّفبعيد حسبما عرفت إلاّ أن الأوجه في الجواب عن الضّرر
الدّنيوي ما ذكرنا و ملخّصه المنع من كون الظّن بالتّحريم مثلا ظنّا
بالضّرر الّذي يحكم العقلبوجوب دفعه مع قطع النّظر عن حكم الشّارع و إلاّ
لحكم به استقلالا و هو خلف فتدبّر
فما يحكم العقل بوجوب دفعه من الضّرر لا يظنّ من الظّنبالتّحريم و ما
يظنّ من الظّن بالتّحريم لا يحكم العقل بوجوب دفعه هذا آخر ما أردنا إيراده
في المقام و قد بقي خبايا في زوايا و لعلّ المتأمّلفيما ذكرنا يستغني به
عمّا طوينا إيراده في بيان ما هو المراد من حجيّة الظنّ الّتي أريد إثباتها في المقام بقاعدة دفع الضّرر
قوله
قدس سره ثمّ إنّ مفاد هذا الدّليل هو وجوب العمل بالظّن إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّالمدّعى هو حجيّة الظّن بحيث يكون مثبتا لمدلوله و طريقا
إليه شرعا مطلقا سواء قام على الحكم الإلزامي و غيره و سواء وافق الاحتياط
كما إذا كانمفاده إثبات جزئيّة ما شكّ في جزئيّته أو شرطيّته أو خالفه
كما إذا كان مفاده تعيين الواجب المردّد بين المتباينين في الشّك في
المكلّف بهو من المعلوم ضرورة حسبما عرفت الإشارة إليه في كلام شيخنا في
طيّ الجواب عن الوجه الأوّل الّذي اختاره في سابق الأيّام عدم وفاء
الوجهالمذكور على تقدير تماميّته بإثبات هذا المدّعى فإنّ مرجعه إلى
الاحتياط في مورد قيام الظّن على الحكم الإلزامي فلا يشمل فيما لو قام
علىغيره من الأحكام الثّلاثة كما أنّه لا يشمل فيما لو قام على تعيين
المكلّف به فيما يقتضي الاحتياط في المسألة الفرعيّة الجمع بين المحتملين
وإثبات المدّعى و تماميّته من الجهتين بالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل
كما ترى إذ من قال بحجيّة ظنّ لا يفرق بين موارد قيامه و مفادهلا من يعمل
به من باب الاحتياط فإنّه لا معنى لعدم تفصيله بل لا بدّ له من القول
بالتّفصيل فإنّ الحيثيّة الموجبة للعمل به نافية له فيما خالفالاحتياط كما
لا يخفى قوله
قدس سره و يمكن أن يرد أيضا بأنّها قاعدة عمليّة إلخ(٢)
أقول
ما أفاده قدس سره كالإيراد السّابق عليه مبنيّ على ماهو الحق و الصّواب في
مفاد القاعدة من كونه وجوب الاحتياط ظاهرا في موارد الظّن بالحكم الإلزامي
فيكون أصلا من الأصول فيخصوص مورد الظّن بالتكليف الإلزامي فلا يقبل
المعارضة للعمومات الاجتهاديّة المثبتة للحكم الغير الضّرري في مورد الظّن
بالحكم الضّرريبل يكون العمومات واردة عليه كما هو الشّأن في مقابلة مطلق
الدّليل مع الأصل العقلي مع أنّ المستدلّ بهذا الوجه يريد إثبات حجيّة
الظّن بهبحيث يكون دليلا في مقابل العمومات الاجتهاديّة النّافية بعمومها
للحكم الضّرري نعم
لو قيل بحجيّته من جهة دليل الانسداد و لم يتوجّهعليه هذا الإشكال بناء
على اعتبار العمومات من باب الظّن الخاصّ الموجب لانفتاح باب العلم في
مورده كما ستقف على تفصيل القول فيهعن قريب في أنّ مفاد القاعدة بعد الإغماض ليس إلاّ وجوب الاحتياط
قوله
قدس سره و قد يشكل بأنّ المعارضة إلخ(٣)
أقول
توضيح الإشكال أن مبنى الإيراد و هو عدم نهوض القاعدة دليلا ينتفع به
فيمقابل العمومات الاجتهاديّة الدّالّة على الحكم الغير الضّرري في
الشّبهات الحكميّة و لو كان مواردها شكّا في التّكليف مثل قوله تعالى أحلّ
لكمالطّيبات مثلا على أنّ مفاد قاعدة وجوب الدّفع إثبات الاحتياط في موارد
الظّن بالتّكليف و لزوم الاحتياط في كلّ مورد فرض في حكمالعقل إنّما هو
من جهة احتمال الضّرر كما هو المفروض في المقام أيضا و العمومات
الاجتهاديّة المرخّصة رافعة لاحتمال الضّرر أو مثبتة للتّداركفيما لو كان
المحتمل هو الضّرر الدّنيوي فيرجع إلى منع صغرى قاعدة وجوب الدّفع بملاحظة
العمومات الاجتهاديّة كما كان مرجع الإيراد الأوّل المذكور