بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٨٦
و لا ينافي ما ذكرنا في الموضع الأوّل من حكم العقل بالوجوب في المحتمل من الأخروي مطلقا للفرق بين الضّررين كما لا يخفى كالفرق بين مراتب الضّرر الدّنيويحسبما عرفت لكن حكمه بالوجوب فيما يحكم به من الضّرر الدّنيوي حتّى في المقطوع منه إنّما هو من حيث ذات الضّرر و عنوانه بنفسه مع قطعالنّظر ممن ضمّ عنوان آخر حسن إليه بالعرض كحكمه بالحسن و القبح في كثير من الموضوعات و العنوانات فإنّه ليس إلاّ بالملاحظة الّتي ذكرنا و ليس العنوانالمعروض للحسن و القبح فيها علّة تامّة لهما في نظر العقل بل إنّما هو مقتض لهما فإن شئت قلت إنّهما يعرضان في أكثر الموارد للعنوانات المقيّدةبعدم المزاحم لا المطلقة البسيطة كما في بعض الموارد كقبح الكفر باللّه و الظلم و المعصية و حسن الإيمان باللّه و إطاعته مثلا فإذا حكم الشّارع فيمورد بتعريض النّفس للمهلكة فيكشف ذلك عن ضمّ عنوان حسن إلى الضّرر غالب على قبحه و من هنا ذكر قدس سره في الكتاب أنّه يجوز إذن الشّارعفي ارتكاب الضّرر المقطوع الدّنيوي فضلا عن المظنون منه و إن كان مجرّد احتمال ذلك غير مجد في نظر العقل و إلاّ لزم تأثير الأمر النّفس الأمري في الأمرالوجداني و هو محال ظاهر على ما عرفت مفصّلا في أنّ حكم العقل في الضّرر الدّنيوي يكشف عن حكم شرعي مولوي ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور يكشف بقاعدة التّلازم من حيث قابليّة المورد سواء كان فيمقطوع الضّرر أو مظنونه عن حكم شرعيّ مولويّ يعاقب على مخالفته و إن تخلّف الاعتقاد عن الواقع لما عرفت من استحالة طريقيّة الاعتقادفي المستقلاّت العقليّة و من هنا ذكر الفقهاء رضوان اللّه عليهم في باب القصر أنّ سلوك طريق مقطوع العطب أو مظنونه معصية يجبإتمام الصّلاة معه و إن انكشف عدم الضّرر و ليس قولهم هذا مبنيّا على حرمة التّجري كما زعم و استظهره شيخنا العلاّمة قدس سره من كلماتهمعلى ما عرفت في أوّل الكتاب في فروع مسألة العلم بل على ما ذكرنا و ليس هذا كحكمه في الضّرر الأخرويّ من حيث عدم إمكان كشفه عن حكم شرعيّمولوي في مورده على ما عرفت شرح القول فيه في الموضع الأوّل هذا في الضّرر الدّنيوي الّذي يستقلّ العقل بالحكم فيه و قد عرفت عدمإمكان جعل الظّن طريقا بالنّسبة إليه من حيث اختصاص طريقيّته بما يكون الحكم عارضا لمتعلّقه نعم يمكن طريقيّته فيما لوحظ بالنّسبةإلى الحكم الشّرعي المعلّق على نفس ارتكاب المضر الواقعي و لو كان مهلكا و يحكم العقل بوجوب الدّفع في مقطوعه و مظنونه بل مشكوكه فتدبّر و أمّا الضّرر الّذي لا يستقلّ العقل بحكمه من حيث كونه دون المرتّبة الّتي يحكم العقل فيها فلا إشكال في إمكان ثبوت الحرمة الشّرعيّة له من حيث كونالموضوع في الحكم الشّرعي في باب الضّرر أوسع منه في الحكم العقلي و حكم العقل بوجوب الدّفع إجمالا من جهة تصديق الشّارع نظرا إلى عكس قاعدةالتّلازم كما هو الشّأن في جميع موارد ثبوت الحكم الشّرعي فيما لا يستقلّ العقل بحكمه فلا إشكال في إمكان جعل الظّن طريقا بالنّسبة إليهخصوصا أو عموما من جهة قيام دليل خاصّ أو عامّ كشبه دليل الانسداد حيث إنّه قد يقال بجريانه في بعض الموضوعات الّتي منها الضّررعلى ما عرفت الإشارة إليه في شرح الحاشية و على هذا القسم لا بدّ من أن يحمل ما أفاده قدس سره فيها لما عرفت من استحالة طريقيّة الظّن فيما يستقلّالعقل بحكمه في أنّه لو تعلّق الظّن بالضّرر من جهة الظّن بالحرمة ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا إنّما هو فيما لو تعلّق الظّن ابتداء بالضّرر الدّنيوي و إن تعلّق الظّن بالحرمة من جهته كما فيما يظنّكونه مضرّا في الموضوعات الخارجيّة و أمّا إذا تعلّق الظّن ابتداء بالحرمة فيظنّ من جهته بالضّرر الدّنيوي كما في الظّن بالتّحريم مثلا في الشّبهاتالحكميّة حسبما يبحث عنه بناء على ما هو المقرّر عند العدليّة من تبعيّة الأحكام الشّرعيّة للمصالح و المفاسد النّفس الأمريّة فلم يقمهناك دليل على حجيّة الظّن حتّى يجب متابعته لما عرفت من عدم استقلال العقل فيه بحكم و الدّليل الدّال على حرمة ارتكاب المضرّ لا يجديمع عدم إحراز الموضوع بالطّريق المعتبر و المفروض إذن الشّارع بالرّجوع إلى الأصول فيما لم يقم هناك دليل على الرافع حتّى في مورد قيام الظّنفالضّرر و إن كان مظنونا من جهة الظّن بالتّحريم الشّرعي إلاّ أنّه مع كونه متداركا على تقدير ثبوته من جهة إذن الشّارع فيه الثّابت بالفرضلا يستقلّ العقل فيه بشيء فجعل مطلق الظّن بالضّرر في الفرض حجّة يتوقّف على جعل الظّن بالحرمة مطلقا حجّة شرعيّة من دليل الانسداد و نحوهفيرجع الكلام إلى عدم صلاحيّة قاعدة وجوب الدّفع لجعل الظّن بالتّحريم و الوجوب حجّة في الأحكام الشّرعيّة من حيث استلزامه للظّن بالضّررالدّنيوي إمّا من جهة منع استقلال العقل في ذلك الّذي يرجع إلى المنع الكبروي و إمّا من جهة ثبوت التّدارك من إذن الشّارع في موردالظّن المستفاد من أدلّة حرمة العمل بغير العلم و أدلّة الأصول فيرجع إلى المنع الصّغروي و إن كان الثّاني منظورا فيه نظرا إلى أنّه بعد تسليماستقلال العقل في الحكم لم يكن هناك محلّ للرّجوع إلى عمومات حرمة العمل بغير العلم أو أدلّة الأصول فلا بدّ من منع استقلال العقل و إن كانإذن الشّارع على تقدير مصادفته للوقوع في الضّرر في مورد ثبوته يتدارك به الضّرر فلعلّ هذا وجه أمره قدس سره بالتّأمّل و إن كان بعيداعن مساق العبارة إذ الظّاهر منها بعد إمعان النّظر كما صرّح به قدس سره في مجلس المذاكرة على ما هو ببالي و عرفت توجيه التّأمّل به في مطاويشرح الحاشية التّأمل في حكم الظّن المتعلّق ابتداء بالضّرر كما في الشّبهة الموضوعيّة و الظّن المتعلّق به ثانيا و بالعرض من جهة الظّن المتعلّقبالحكم الإلزامي الشّرعيّ كما في الشّبهة الحكميّة فإنّ المناط هو الظّن بالتّضرّر عند العقلاء فلا بدّ إمّا من القول بعدم حكم العقل في الصّورتين