بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٨٥
مخالفته للوجدان السّليم موجب لإقحام الأنبياء و أن لا يكون للّه تعالى حجّة على غير النّاظر و عدم حكمه بوجوب شكر المنعم الّذي هو مبنى وجوبمعرفة اللّه تعالى و لو في حقّ المتوهّم فليس حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون من حيث كون الظّن طريقا إلى الضّرر النّفس الأمري و إلاّ لم يتحقّقفي المشكوك و الموهوم كما لا يخفى مضافا إلى ما عرفت في المقدّمة من استحالة لحوق حكم العقل للموضوع النّفس الأمري بل من حيث ذاته كالمقطوعفالعلم و الظّن سيّان من هذه الجهة ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور في المقام و إن كان إرشاديا كسائر الأحكام العقليّة إلاّ أنّه لايمكن أن يجعل دليلا على الحكم الشّرعي المولوي كما في أكثر الموارد بل يجعل دليلا على الحكم الإرشادي للشّارع لاستحالة الاستكشاف من ذلكفي المقام كما في حكمه في مسألة وجوب الإطاعة و حرمة المعصية حيث أن حكم العقل فيها لا يمكن أن يجعل دليلا إلاّ على الحكم الإرشادي للشّارعكما هو واضح لا سترة فيه فكلّ ما ورد ممّا يدلّ على الطّلب الإلزامي من الآيات و الأخبار فيحمل على الطّلب الإرشادي فيكون تأكيدا لحكم العقلبه كأوامر الإطاعة ثمّ إنّ حكم العقل فيما ذكرنا من الضّرر الأخروي بمراتبه المذكورة لا يبحث فيه من حيث إنّه لاحق للضّرر أو الضّرر الغيرالمتدارك حيث أنّ إيقاع الشّارع في الضّرر الأخروي مع جبره بالتّدارك غير معقول و إن كان حكم العقل لاحقا عند التّحقيق للضّرر الغيرالمتدارك مطلقا ففي كلّ موضع لم يحكم فيه بوجوب الدّفع بالنّسبة إلى الضّرر الأخروي مع إذن الشّارع خصوصا أو عموما فليس من جهة كشفهعن التّدارك و ارتفاع القيد للموضوع العقلي بل من جهة ارتفاع أصل الضّرر مع إذن الشّارع ضرورة امتناع التّخصيص بل الحكومةبالنّسبة إلى الأحكام العقليّة فلا بدّ أن يجعل دليل الإذن واردا على الحكم العقلي و رافعا لموضوع حكمه حقيقة فإذا فرضنا في المقام كما هو المفروضعدم قيام دليل من الخارج على حجيّة الظّن بالوجوب و التحريم بل أريد إثبات حجيّته بنفس حكم العقل من حيث كون الظّن بهما ظنّا بالضّرر الأخرويفهو إنّما يتمّ فيما إذا كان الظّن بهما ظنّا به مع قطع النّظر عن حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون و إلا لدار فلا يتمّ القياس و الاستدلال والمفروض أنّ الحاكم باستحقاق العقاب على مخالفة المولى العقل فلا يعقل أن يتبع حكمه المخالفة الواقعيّة التّابعة للطّلب الحتمي النّفس الأمريبل إنّما يتبع تبيّن الطّلب و قيام الدّليل عليه عند المكلّف و لو في مرحلة الظّاهر إلاّ فيما لا يعذر فيه الجاهل من جهة جهله مع التّقصير حيثأنّ نفس احتمال الحكم الإلزامي يكفي في تنجزّه في حقّه كما هو واضح و هذا معنى ما ذكرنا من لحوق حكم العقل للموضوع الوجداني لا النّفس الأمريّو من هنا ذكر شيخنا قدس سره في مطاوي كلماته الشّريفة أنّ حكم العقل بالاستحقاق يتبع المعصية الّتي هي من الأمور الوجدانيّة لا المخالفة الواقعيّةللخطاب الشّرعي النّفس الأمري فإذا لا يحتاج في إبطال جعل حكم العقل بوجوب دفع الضّرر المظنون الأخروي دليلا على حجيّة الظّن بالوجوب و التحريمإلى ملاحظة ورود دليل البراءة على هذه القاعدة العقليّة بل نفس القاعدة غير جارية إذا فرض استحالة جعلها موجبة للصّغرى و هو الظّنبالضّرر و العقاب حسبما عرفت و هذا معنى عدم إمكان الاستدلال على حجيّة الظّن بقاعدة وجوب دفع الضّرر بل قد يتأمّل في إبطال جعلهدليلا من جهة الورود المذكور بعد تسليم وجود الموضوع لقاعدة وجوب الدّفع مع قطع النّظر عن حكم العقل في قاعدة قبح العقاب من غير بيانو غيره من أدلّة البراءة حيث إنّه يجعل بيانا بعد تسليم وجود موضوعه بالملاحظة المسطورة و دليلا ظاهريّا على وجود الحكم الإلزامي فيجعل وارداعلى دليل البراءة و إن كان فاسدا بما أشرنا إليه سابقا عن قريب في توضيح ما أفاده قدس سره من لزوم الدّور في كلامه السّابق في الهامش فتأمّل فإنّالمقام حقيق بالتأمّل فيه بل قد يقال برجوع ما أفاده قدس سره في غير موضع من ورود دليل البراءة على القاعدة إلى ما ذكرناه و بالجملة حكم العقلبوجوب دفع الضّرر المظنون عند الظّن بالوجوب و التّحريم سواء كان في الشّبهة الحكميّة أو الموضوعيّة إنّما يجعل دليلا على عدم معذوريّةالمكلّف و حسن عقابه على الواقع المظنون فيما فرض عدم معذوريّة الجاهل من جهة جهله من غير توقّف على كون الظّن دليلا كما في الجاهلالمقصّر الّذي منه التّارك للنّظر في المعجزة فهذا الدّليل لا يتمّ إلاّ بإرجاعه إلى دليل الانسداد فلا يكون دليلا مستقلاّ على المدّعى كما هو المدّعىو القول بعدم المانع من جعله دليلا مستقلاّ مع توقّفه على ضمّ مقدّمات الانسداد نظرا إلى أنّه قد يؤخذ مقدّمات دليل في دليلآخر كما في القوانين فيه ما لا يخفى ثمّ إنّ الحكم العقلي المذكور فيما يكون ثابتا كما في موارد عدم معذوريّة الجاهل حسبما عرفت إنّمايصحّ دليلا على حسن المؤاخذة على الواقع المظنون على تقدير ثبوته واقعا و في نفس الأمر لا على حجيّة الظّن بالحكم الإلزامي و إلاّ لم يتحقّق في المحتملإذ لا يعقل طريقيّة مجرّد الاحتمال مع أنّك قد عرفت ثبوت حكمه في المحتمل كالمظنون و هذا و إن كان أمرا ظاهرا لا سترة فيه بعد التّأمّلفيما ذكرنا إلاّ أنّه كلام آخر لا تعلّق له بالمقام هذا بعض الكلام في الموضع الأوّل بعض الكلام في الضّرر الدّنيوي و أمّا الموضع الثّاني و هو الضّرر الدّنيوي فتفصيلالقول فيه أنّه لا شبهة في استقلال العقل في الحكم بوجوب دفع مقطوعه و مظنونه في الجملة و لو كان في خصوص ما يوجب هلاك النّفس أو يقربمنه عادة بل التّحقيق حكمه بوجوب دفع المحتمل من هذا القسم من الضّرر الدّنيوي الّذي يحكم به مع القطع أو الظّن به في الجملة أي في بعض مراتب الاحتمال