بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٧١
يعهد من نبيّ أو وصيّ من آدم على نبيّنا و عليه السّلام و الخاتم صلى الله
عليه و آله و من بينهما إيجاب الأخذ بخصوص الطّرق العلميّة بالسّؤال عنه
بلا واسطةأو بوسائط علميّة ضرورة استحالة تحقق ذلك لجميع المكلّفين
بالنّسبة إلى آحاد الأحكام عادة بعد فرض ابتناء التّبليغ على الوجه
المتعارفالمعهود في تبليغ المطالب إلى عموم النّاس و من هنا ترى المكلّفين
يعتمدون على إخبار الثّقة عن فتوى مرجعهم و فقيه عصرهم من دون تأمّلفي
ذلك حتّى يسألوا عن جواز الاعتماد بنقله في التّقرير الرّابع من وجوه تقرير الإجماع
قوله
قدّس سرّه الرّابع استقرار طريقة العقلاء إلخ(١)
أقول
هذا التّقرير و إن لم يكن له تعلّقبالإجماع الكاشف عن رأي الحجّة ابتداء
حيث إنّ إجماع العقلاء قولا أو عملا يكشف أوّلا عن حكم العقل الدّاعي على
اتّفاقهم و الباعث لهمعلى ذلك إلاّ أنّه بعد كشفه بملاحظة زائدة عن رأي
المعصوم عليه السلام و إمضائه يلحق بالإجماع حكما و إن كان أصل الاستدلال
به لا يتوقّف على كشفهعن رأي المعصوم عليه السلام و إن كان الكشف لا
يتخلّف عنه و ملخّص الاستدلال بهذا الوجه أنّ بعد استقرار طريقة العقلاء
على توسيط أخبار الثقاتفي جميع أمورهم العادية الّتي منها الأوامر الجارية
من الموالي إلى العبيد و جعلها طرقا في باب إطاعة الأوامر و الاعتماد بها
في سقوطها و امتثالهايكشف ذلك كشفا علميّا عن حكم العقل بحجيّة خبر الثّقة و
طريقيّته في باب الإطاعة فيستكشف من ذلك عن رضاء الشّارع بسلوكه فيإطاعة
الأحكام الشّرعيّة ما لم يثبت منع الشّارع عنه أو نصبه طريقا آخر لإطاعة
أحكامه حيث إنّ حكم العقل في طريق الإطاعة ليس تنجزيّابحيث لا يقبل تصرّف
الشّارع فيه كحكمه في أصل وجوب الإطاعة حيث إنّه ممّا لا يقبل التّصرف فيه
أصلا فإن شئت قلت إنّ حكم العقلفي باب الطّريق متعلّق بموضوع قابل
للارتفاع بحكم الشّارع و هذا بخلاف حكمه في أصل وجوب الإطاعة و من هنا
يستكشف عن حكم العقلبحجيّة مطلق الظّن عند تماميّة مقدّمات الانسداد من
إمضاء الشّارع له حسبما ستقف على تفصيل القول فيه و مراده قدّس سرّه من
قوله فيمقام التّعليل لأنّ اللاّزم في باب الإطاعة و المعصية إلخ هو ما
ذكرنا ضرورة أنّ المسألة ليست عرفيّة فالمراد من العرف هم العقلاء منحيث
عنوان عقلهم نظير استدلالهم في مسألة اجتماع الأمر و النّهي ببناء العرف
على الامتناع فكما قد يستدلّون ببناء العقلاء و يكون المرادعنوان فهمهم و
جهتهم العرفيّة كما تراهم يستدلّون كثيرا مّا ببناء العقلاء في باب الألفاظ
كذلك قد يستدلّون ببناء العرف في المسائلالعقليّة و يكون المراد جهة
عقلهم و لا ضير في ذلك بعد وضوح المراد و قيام القرينة الجليّة عليه في أنّه ليس على المستدلّ بهذه الطريقة إثبات عدم الرّدع
ثمّ
إنّه ليس على المستدلّبهذه الطّريقة في المقام إثبات عدم ردع الشّارع عن
سلوك الطّريق المذكور بل عدم ثبوت الرّدع كاف في الحكم لسلوكه لما قد عرفت
مرارامن عروض الأحكام العقليّة للأمور الوجدانيّة و العنوانات المعلومة عند
العقل و امتناع عروضها للموضوعات النّفس الأمريّة الواقعيّةالمجهولة عنده
فالرّدع الواقعي ليس مانعا عنده حتّى يتوقّف حكمه على إثبات عدمه بل العلم
به مانع عن حكمه كما علم به في أكثر الموضوعات الشّرعيّةحيث إنّه ثبت من
الشرع أنّ لها طرقا مخصوصة غير مطلق خبر الثّقة و من هنا التزم من جانب
الخصم بإثبات الرّدع بقوله فإن قلت يكفي فيردعهم الآيات المتكاثرة و
الأخبار المتظافرة بل المتواترة إلخ فإن قلت
المسلّم استقرار طريقة العقلاء و جريان سيرتهم على العملبخبر الثّقة في
أمور معاشهم و لا يلزم منه العمل به في أمور معادهم و الفرق أنّهم لو بنوا
على عدم العمل بخبر الثّقة في أمور معاشهم لاختلّ نظامأمورهم كما لا يخفى
فالضّرورة دعتهم على العمل به في أمور المعاش فلا يقاس عليها أمور المعاد قلت أوّلا
أنّا نرى استقرار طريقتهم علىالعمل به مع التّمكن من تحصيل العلم و فيما لا ضرورة هناك و ثانيا
أنّ الضّرورة الدّاعية في أمور المعاش هي بعينها موجودة في أمور
المعادأيضا ضرورة أنّه لو بني على الاقتصار على الأدلّة العلميّة و ترك
العمل بخبر الثّقة في أمور المعاد لزم منه ما هو أشدّ من محذور ترك العمل
به فيأمور المعاش و هو طرح أكثر الأحكام المعلوم وجودها في الوقائع
المجهولة المعبّر عنه في لسان جمع من أعلام المتأخّرين بالخروج عن
الدّينفإن شئت قلت الدّاعي على العمل به في أمور المعاش إن كان الانسداد
الشّخصي فهو بعينه متحقّق بالنّسبة إلى أمور المعاد أيضا و إن كان
الانسدادالأغلبي فهو أيضا موجود بالنّسبة إلى أمور المعاد ضرورة انسداد باب
العلم بالنّسبة إلى غالب الأحكام فلا فرق بين المقامين فتأمّلهذا كلّه
مضافا إلى ما عرفت في بيان الاستدلال بهذا الوجه من استقرار طريقتهم على
العمل به في باب الإطاعة الكاشف عن حكم العقلبطريقيّة خبر الثّقة لإطاعة
الأحكام الصّادرة عن الموالي بالنّسبة إلى العبيد و عليه لا أثر لهذا
السّؤال أصلا كما لا يخفى قوله
قدّس سرّهقلت قد عرفت انحصار دليل حرمة العمل إلخ(٢)
أقول
ملخّص الجواب أنّ ما دلّ على تحريم العمل بما لم يقم دليل على وجوب العمل
به لا يكون رادعاعن حكم العقل و رافعا لموضوع حكمه و لا يقبل لذلك بعد فرض
كون العقل حاكما بحجيّة خبر الثّقة و طريقا للإطاعة ضرورة كون حكمالعقل
بحجيّة خبر الثّقة المستكشف من بناء العقلاء رافعا لموضوع ما دلّ على حرمة
متابعة ما لم يثبت حجيّته و العمل به و التّديّنبمقتضاه من الأدلة الأربعة
المقتضية لحرمة التّشريع و الافتراء على الشّارع لما قد عرفت من استكشاف
الحجّة الشّرعيّة من حكم العقل