بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١١٤
قول اللّغوي المفيد للظّن فملخّصه أنّ صريح غير واحد من المتأخّرين بل بعض المتقدّمين القول بحجيّة مطلق الظّن في اللّغات و الأوضاعمع القول بعدم حجيّة مطلق الظن في الأحكام و صريح جماعة إنكار الحجيّة على هذا القول على ما عرفت من كونه محلّ البحث و الإنكار و هوالأقوى لأصالة عدم الحجيّة لأنّها الأصل في مطلق غير العلم و لا مخرج عنها إلاّ ما تمسّك به القائل بالحجيّة و هو ضعيف كما ستقفعليه بعد إيراده هذا في أنّ القائلين بالحجّية قد تمسّكوا بوجوه و أمّا التمسّك بالأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك للمختار بتقريب أنّ الوضع المشكوك مسبوقبالعدم فلا ينتقض الأمر العدمي المتيقّن بالشك كما في كلام بعض الأفاضل ممّن تأخّر فهو ضعيف عندنا من حيث إنّ مبنى التّعبّدعلى ترتيب المحمولات الشّرعيّة للمستصحب بلا واسطة و جعلها في مرحلة الظاهر إذا كان المستصحب من الموضوعات فلا يشمل الموضوعاتاللّغويّة إثباتا و نفيا كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه نعم بعد الحكم بعدم اعتبار الظن في مرحلة الظّاهر يرجع إلى الأصولبالنّسبة إلى الآثار كما هو الشّأن في جميع ما يحكم بعدم حجيّة الظن القائم عليه موضوعا كان أو حكما شرعيّا هذا و أمّا القائلون بالحجيّةفقد تمسّكوا بوجوه الأوّل الإجماع على اعتبار الظّن في اللّغات ذكره غير واحد من الأصوليّين و يشهد له كون اختلافهم في جملةمن الأمور التي اختلفوا في حجّيتها كالتّقسيم و حسن الاستفهام و غيرهما راجعا إلى النّزاع في الصّغرى بل اختيار القائلين بالقياس عدماعتباره في المقام من حيث عدم حصول الظّن بالمناط و كون اللّغات توقيفيّة أوّل شاهد على كون أصل حجيّة الظّن مسلّما عندهمو من هنا اتّفقوا على اعتبار الاستصحاب في الموضوعات اللّغويّة و حكموا بعد تبادر المعنى في العرف اللاّحق بكونه معنى أصليّا سابقا للّفظمن جهة أصالة عدم النقل و تعدد الوضع الراجعة إلى الظن بوحدة المعنى و من هنا اتّفقوا على أنّ الأصل مع المنكرين للحقيقة الشّرعيةو فيه أنّه إن أريد من الإجماع على اعتبار الظّن في اللغات الإجماع عليه في الجملة فهو مسلّم لا نزاع فيه أصلا لكنّه لا يجدي الخصم و إن أريدالإجماع عليه مطلقا فهو في حيّز المنع أ لا ترى اختلافهم في حجيّة الاستقراء الظّني و الشّهرة و نحوهما ممّا يعدّ في المسألة الثّاني أنّ عادة العقلاء جرت على اعتبار الظّن فيما ينتظم به أمورهم حيث لا طريق إلى العلم لأنّ أرباب العلوم النّقليّة يعتمدون على الأماراتالظّنية أ لا ترى أنّ النحاة و اللّغويّين يعتمدون على استعمالات أهل اللسان نظما و نثرا كأشعار مثل إمرئ القيس و أهل المعاني على أمور اعتباريةو الأصوليّين على كثرة الاستعمال و غلبته و التّجار على المكاتيب إلى غير ذلك و هذه الطّريقة ممّا أمضاه الشّارع و إلاّ لنهى عنسلوكها في الشّرعيّات و فيه أنّه لم يعلم معنى محصّل لهذا الاستدلال فإنّه إن كان الغرض منه كون العادة جارية على العمل بالأمارةالظّنية في الجملة على أنحاء مختلفة متشتّتة فيعملون بالظن بالمراد إذا حصل من اللّفظ دون الخارج إذا لم يكن مستندا إلى القرينةالمعتبرة و هكذا فهذا لا يجدي شيئا إذ لم يذهب أحد من علماء الإسلام إلى إنكار العمل بالظّن رأسا و إن كان الغرض منه كونالعادة من العقلاء و الشّارع جارية على الأمارات الظّنية مطلقا و في جميع الأمور بأيّ شيء قامت و في أيّ مسألة كانت فهو مخالفللحسّ و الوجدان في العاديّات أو الشّرعيّات أ لا ترى إلى نفي الشّارع لاعتبار الظّن في باب النّجاسة و في اعتبار البيّنة العادلة و ما بمنزلتهافي المرافعات إلى غير ذلك و إلى عدم اعتناء العقلاء بمطلق الظّن في الأمور الخطيرة إذا لم يستند إلى أخبار من يعتمد عليه من أهلالخبرة إلى غير ذلك هذا مضافا إلى أنّ نهي الشّارع من العمل بالأمارة بل مطلق غير العلم في الكتاب و السّنة ممّا شاع و ذاع و بلغ كلّأحد و قرع سمع كلّ جاهل فضلا عن العلماء الثّالث الإجماع على اعتبار الظن في الموضوعات من كلّ أحد فإنّ المجتهدين ذهبواإلى العمل بالظن في الأحكام و موضوعاتها و الأخباريّين منعوا من العمل عليه في الأحكام و وافقوا المجتهدين في العمل عليه في الموضوعاتو فيه أنّه إن أريد ممّا ذكر ذهاب المجتهدين إلى العمل بالظّن مطلقا في الأحكام و الموضوعات و اتفاقهم عليه و ذهاب الأخباريّين إلى المنععنه في الأحكام مطلقا و إثبات العمل عليه في الموضوعات كذلك فهو افتراء على الفريقين إذ ما من أحد من العلماء إلاّ أنّه يعمل بالظّن فيالجملة في الأحكام و لو كان ظواهر الألفاظ في الموضوعات و لو كان مثل البيّنة و أصالة الصحة و القرعة و نحوها و ترك العمل به في الجملةفي الأحكام و الموضوعات و إن أريد منه إثبات القضيّة المهملة فقد عرفت أنّه لا يجدي نفعا في إثبات المدّعى الرّابع دليل الانسداد الّذي تمسّك به غير واحد ممّن ذهب إلى حجيّة الظّنّ في المقام مطلقا تصريحا و تلويحا بل هو العمدة في كلماتهم في إثبات المطلب و له بياناتفي كلماتهم أوضحها أنّه لا ريب و لا إشكال و لا خلاف في أنّ الطّريق الوافي المتكفّل لبيان أغلب الأحكام بل كلّها تفصيلا إلاّ ما شذّ و ندرغير الضّروريّات الدّينيّة الكتاب و السّنة القوليّة و موضوع الأحكام الشّرعيّة فيهما الألفاظ و اللّغات و الدّال على الحكم فيهما أيضا الألفاظمادّة و هيئة كما أنّه لا ريب في انسداد طريق العلم إلى حقائق الألفاظ و معانيها الوضعيّة غالبا لانحصاره في تصريح الواضع الّذي