بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨٥
إنّا أثبتنا أيضا جهتين للحرمة في العمل بالظّن سابقا تبعا لشيخنا دام ظلّه
لعدم اختصاص محلّ الكلام في السّابق بما يتمكّن المكلّف منتحصيل العلم به
و هذا بخلاف ما أفاده دام ظلّه في المقام فإنّه مفروض الاختصاص بصورة
التّمكن من تحصيل العلم اللّهمّ إلاّ أن يقالفي دفع الإشكال إنّ ما ذكره
دام ظلّه مبنيّ على ما ذكره الخصم من فرض الدّوران بين وجوب تحصيل العلم
بخصوصه أو التّخيير بينه و بين العملبالظّن و يمكن على هذا الفرض القول
بجريان الأصول أيضا في صورة التّمكن من تحصيل العلم لأنّ المانع منه
الدّليل الدّال على وجوب تحصيلالعلم فإذا قلنا بعدم ثبوت هذا الدّليل فلا
مانع من الرجوع إلى الأصول أيضا و القول بأنّ منع الدّليل إنّما هو
بالنّسبة إلى العمل بالظّنلا الأصل كما ترى و لكن يمكن أن يقال إنّ فرض
الشّك في وجوب تحصيل العلم معيّنا يوجب الشّك في اعتبار الأصول أيضا فلا
يكون التمسّكبها للحكم بعدم جواز العمل بالظّن أولى من التمسّك بقاعدة
الاشتغال بل المتعيّن التمسّك بها هذا في أنّ الأولى تبديل الجواب المذكور بأجوبة أخرى
فكان الأولى أن يذكر الأستاذ العلامة فيمقام ما ذكره من الجواب الثّاني أجوبة أخر أحدها
منع الدّوران لا من جهة القول بأنّ المسألة عقليّة و لا يعقل الدّوران في
حكم العقلبل إمّا يستقلّ بوجوب تحصيل خصوص العلم تحصيلا للبراءة اليقينيّة
أو يستقلّ بالتخيير بينه و بين العمل بالظّن بناء على ما ربما يتوهّم من
أنّ الحكمبوجوب تحصيل البراءة اليقينيّة مبنيّ على القول باستقلال العقل
بوجوب دفع الضّرر المحتمل و هو في محلّ المنع بل من جهة استقلاله
بحرمةالعمل بالظّن من باب التّشريع على ما عرفت تفصيل القول فيه غير مرّة و
لعلّه لم يذكره الأستاذ العلاّمة من جهة ذكره في الجواب من
الوجوهالسّابقة عليه فاستغنى عن ذكره في الجواب عن هذا الوجه بذكره ثمّة
من جهة معلوميّة الأمر فتدبّر ثانيها
منع الدّوران بملاحظةالأدلّة النقليّة الدّالة على وجوب تحصيل العلم
بالحكم الشّرعي مهما أمكن من الكتاب و السّنة و الإجماع و دلالة كلّ منها
على ذلك ليست محلاّللإنكار لأنّها بلغت من الوضوح و الظّهور ظهور الشّمس في
وسط السّماء هذا اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ الكلام في قضيّة الأصل الأوّلي
مع قطعالنّظر عن الدّليل الوارد فتأمّل ثالثها
أنّه على فرض تسليم الدّوران لا معنى لابتناء حكم المسألة على القولين في
مسألة دوران الأمرفي المكلّف به بين التّعيين و التّخيير لأنّ الحقّ في
مسألتنا هذه هو الحكم بالتّعيين و إن قلنا في تلك المسألة بالتّخيير لأنّ
مرجع الشّك في المسألةإلى الشّك في طريق الإطاعة و العقل مستقلّ بوجوب
الأخذ بالقدر المتيقّن في باب الإطاعة و هذا الوجه وجه مستقلّ لا دخل له
بأحدالوجوه المتقدّمة في كلامنا و كلام الأستاذ العلاّمة دامت إفاداته قوله
قدّس سرّه فحينئذ يكون العمل بالظّن إلخ(١)
أقول
ما أفاده واضحلا غبار فيه أصلا و لا يتوهّم أنّ النّهي عن العمل بالظّن
مبنيّ على القول باقتضاء الأمر بالشّيء النّهي عن ضدّه الخاصّ ضرورة أنّ
العمل بالظّنالّذي لم يثبت اعتباره نقض لليقين بغير اليقين بل بالشّك
بالمعنى الأعمّ كما هو واضح قوله
قدس سره فالعمل بالظّن قد يجتمع فيه جهتانللحرمة إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّ المراد من الأصل ليس الأصل بقول مطلق بل الأصل في الجملة
و هو الأصل المثبت للتكليفكاستصحاب التّكليف الإلزامي و أمّا الأصل بقول
مطلق فلا يكون تطبيق العمل على الظّن في مقابله ملازما لطرحه فإنّه إذا ظنّ
بالتّكليفالإلزامي في مورد أصالة التّخيير أو أصالة الإباحة لا يكون
مجرّد تطبيق العمل عليه طرحا لهما كما لا يخفى في تقريب دلالة الحديث على الحرمة التشريعيّة
قوله
و قوله رجل قضى بالحقّ و هو لايعلم إلخ(٣)
أقول
وجه دلالته على الحرمة التّشريعيّة ما عرفت من كون المراد منه القضاء
المتعارف الذي يقضي به القاضي مع بنائهعلى استحقاقه للحكومة الشّرعيّة و
أمّا قوله عليه السلام رجل قضى بالحقّ المشير إلى الجهة الثّانية فلأنّ
المراد من الحقّ هو الحكم الصّادر من الشّارع سواءكان واقعيّا أو ظاهريّا
فالمراد أنّه يجب ترك العمل بالظّن من حيث كونه في معرض تفويت الحقّ ضرورة
أنّ المراد منه ليس مجرّد الأخبارفكأنّه قال يجب ترك العمل بالظّن لأنّه
ليس بحقّ و لا يغني منه و إن كان فيه نوع من الإرشاد و لا ينافي ذلك ما نحن
بصدده فتأمّل
و أمّا قوله عليه السلام من أفتى النّاس بغير علم و إن كان له ظهور في
الحرمة التّشريعيّة أيضا باعتبار لفظ الإفتاء إلاّ أنّه لا بدّ من صرفه عن
ظاهرهبقرينة قوله كان ما يفسده أكثر ممّا يصلحه حيث إنّه لا صلاح في العمل
بغير العلم بعنوان التّشريع أصلا بل هو فساد محض و قد أثبت أكثريّةالفساد
في الرّواية لا كليّته فلا بدّ من أن يحمل على بيان الحرمة من الجهة
الثّانية أي طرح الحقّ الواقعي أو الظّاهري هذا و قد يستشكل فيالبيان
المذكور من جهتين أحدهما
أنّ الإفتاء للناس بغير العلم لا ينفكّ عن التّشريع فتدبّر ثانيهما
أنّ أكثرية الفساد على تقديرحملها على ما إذا عمل بغير العلم من غير
استناد إنّما هو على تقدير كون مخالفة الظن للأصل أكثر من موافقته اللّهمّ
إلاّ أن يحمل الأكثريةعلى الأكثرية بحسب الكيف و لكن حملها عليها ليس بأولى
من إبقاء الرّواية على ظاهرها مع القول بوجود نفع في الإفتاء بغير العلم
من حيثالتّدين إمّا من جهة الدّنيا أو الآخرة فيما إذا اهتدى العوام
المقلّدين من جهة إفتائه إلى الحقّ الواقعي بناء على وجود خاصيّة قهريّة
فيإهداء النّاس إلى الحقّ فتدبّر في إمكان خلق الواقعة عن الحكم الظّاهري
قوله
و أمّا إذا قلنا باشتراط عدم كون الظّن على خلافها إلخ(٤)
أقول
لا يخفى عليك أنّ الحكم بارتفاع