بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨٤
الظّاهر مع عدم وجودها في الواقع لأنّ الاشتغال و البراءة بهذا المعنى
مسبّب عن التّكليف و عدمه فكما أنّ وجود التّكليف و عدمه على نحوينكذلك
وجود الاشتغال و البراءة في أنّ وجوده المعنيين للبراءة فالاشتغال لا ينفع في جريان استصحابهما
و بعبارة
أخرى الاشتغال و البراءة لهما معنيان أحدهما حكم العقل بوجوب التخلّص عن
العقاب أو قبحالعقاب من غير بيان ثانيهما ما هو مسبّب عن حكم الشّارع و
الّذي لا يتصف بالظّاهريّة و لا يجري الاستصحاب فيه هو المعنى الأوّل لا
المعنىالثّاني قلت
وجود المعنيين لهما و إن كان أمرا مسلّما إلاّ أنّهما بالمعنى الثّاني لا
يترتّب عليهما أثر شرعيّ بلا واسطة حتّى يحكم بصحّة جريان الاستصحابفيهما
كما هو ظاهر و ستقف عليه في الجزء الثّاني من التّعليقة و إلحاق استصحابهما
بأصالة عدم الحجيّة كان مبنيّا على إرادة هذا المعنى منهماهذا كلّه مضافا
إلى كونهما بالمعنى المذكور من الأمور الاعتباريّة المنتزعة من التّكليف و
عدمه فلا يصيران مورد الأصول فتأمّل
و ممّاذكرنا كلّه يعلم أنّ منع جريان استصحاب الاشتغال و البراءة ليس
مبنيّا على كون المدرك في قاعدة الاشتغال و البراءة و التّخيير العقل بل
يتمّ علىتقدير القول بها من جهة الأخبار أيضا و اللّه العالم هذا بعض ما
ساعدنا التّوفيق من التّكلّم في حكم المقام و بقي فيه بعض شبهات و
مطالبأخر يطول المقام بالتّعرض لها فلعلّنا نذكرها بعد ذلك إن شاء اللّه
تعالى ثمّ
لا يخفى عليك أنّ الوجوه الّتي يذكرها الأستاذ العلامةلتقرير الأصل عن
غيره بعضها مطابق للمختار بحسب المفاد و بعضها مخالف له و بعضها ممّا يصلح
للأمرين و لا معين لأحدهما إلاّ اجتهاد المجتهد في أنّه لا مورد لأصالة الإباحة في العمل بالطّريق
قوله
و فيه على تقدير صدق النّسبة إلخ(١)
أقول
لا يخفى على من راجع كلام السيّد ظهوره فيما نسب إليه كما أنّه لا يخفى
على ذو مسكة فسادما ذكره بظاهره فإنّ حكم الطّريق لا يمكن أن يكون غير
الوجوب و لو تخييرا و الحرمة معيّنا فإنّه لو علم بقيام الدّليل على حجيّته
كان واجب العمل و إنلم يعلم به كان محرّم العمل بحكم العقل المستقلّ
مضافا إلى دلالة الأدلّة النّقليّة عليه أيضا كما هو ظاهر فلا مورد إذا
لأصالة الإباحة الجاريةفيما كان خاليا عن المفسدة هذا كلّه على تقدير عدم
جواز الرّجوع إلى أصالة عدم الحجيّة على ما عرفت ممّا أفاده شيخنا الأستاذ
العلاّمةو أمّا على ما احتملنا من جواز الرّجوع إليه فلا يجوز الرّجوع إلى
أصالة الإباحة أيضا لورودها عليها على تقدير و حكومتها عليها على تقديرآخر ثمّ
إنّ مراده قدّس سرّه من التّخيير بين الظّن و الأصل ليس الغرض منه وقوع
ذلك في الشّرعيّات حتّى يورد عليه بأنّ الأصل لا يقابلبالظّن و لا يكون
طرفا له على كلّ تقدير بل الغرض منه إثبات الوجوب التّعييني أو التّخييري
بأحد الوجوه في الجملة من غير أن يكون الغرض متعلّقا لتحقيقالحال في ذلك
في هذا المقام هذا كلّه إن أراد إجراء الأصل في العمل بغير العلم بمعنى
التّدين به كما هو الظّاهر على ما عرفت الإشارة إليه فيكلام الأستاذ
العلاّمة و أمّا لو أريد إجراؤه في العمل به من دون التزام به فيما لا
يستلزم طرح الأصل أو الدّليل الموجود في مقابله فلا إشكالفي أنّ الأصل فيه
الإباحة قوله
و فيه منع الدّوران لأنّ عدم العلم إلخ(٢)
أقول
الوجه فيما أفاده قدّس سرّه ظاهر بعد الوقوف على وجهالحرمة في العمل بما
لم يكن حجّة فإنّ حرمة العمل به إن كانت ذاتيّة لاستقام الحكم بالدّوران و
لكنّك قد عرفت أنّها تشريعيّة و أنّها توجد قطعافي صورة الشّك في الحجيّة و
لا يتفاوت الحال في ذلك بين ما أفاده في تحقيق المقام و بين ما احتملنا في
معنى التّشريع كما هو واضح في أنّه لا يجب تحصيل الاعتقاد بالأحكام الفرعيّة إلاّ من جهة حفظ الأحكام
قوله
قدس سرهو فيه أوّلا أنّ وجوب تحصيل الاعتقاد إلخ(٣)
أقول
قد عرفت الوجه في كون تحصيل الاعتقاد مقدّمة عقليّة للفروع و أنّ ذلك
إنّمايستقيم في التعبّديّات و أمّا التوصّليات فليس تحصيل العلم بها مقدّمة
عقليّة للعمل بها بل للعلم بوجودها في الخارج كما قد عرفت أنّ ذلككلّه
مبنيّ على عدم القول بكفاية الاحتياط و إلاّ فلا يجب تحصيل الاعتقاد
بالأحكام الشّرعيّة أصلا لا على وجه العلم و لا على وجه الظّن اللّهمّإلاّ
أن يقال إنّ تحصيل الاعتقاد على هذا القول أيضا مقدّمة إلاّ أنّه ليس
مقدّمة منحصرة فتدبّر نعم
قد نبّهناك فيما سبق من كلماتنا.إلى أنّ للعلم وجوبا نفسيّا كفائيا من حيث
حفظ أحكام الشّرع و الدّين بقدر الإمكان كما أنّه قد أسمعناك أنّ له وجوبا
غيريّا فيما توقّف تشخيص ذاتالواجب عليه من غير فرق بين التعبّديّات و
التّوصّليات و على كلّ تقدير لا دوران فيما دلّ على وجوبه على أحد الوجهين
كما هو ظاهر ثمّ
إنّ الوجه فيما أفاده قدس سره في عدم تعقّل الدّوران و التردّد في موضوع
الحكم بالنّسبة إلى الحاكم من حيث استلزامه للتردّد في الحكم الغير
المعقولفي حقّ نفس الحاكم ممّا لا شبهة فيه عند من له ذوق سليم مضافا إلى
ما ستقف عليه من تفصيل القول فيه في طيّ أجزاء التّعليقة قوله
فلأنّ العمل بالظّن في مورد مخالفته إلخ(٤)
أقول
لا يخفى عليك أنّ الحكم بانحصار محلّ الكلام فيما إذا كان العمل بالظّن
على خلاف الأصول لا يخلوعن تأمّل لأنّ ذلك لم يؤخذ في عنوان المسألة و لا
في دليله بل ملاحظة كلمات الأستاذ العلاّمة و القوم يوجب حصول القطع
بأعميّة النّزاعو أولى منه بالتّأمل و الإشكال تعليل عدم جواز العمل
بالظّن بمخالفته الأصل المتيقّن الاعتبار و كون التّمسّك بقاعدة الاشتغال
في إثبات عدمجواز العمل بالظن مع التّمكن من تحصيل العلم أشبه شيء بالأكل
من القفا مع أنّ قضيّة التّحقيق عنده و عند غيره من الأصحاب عدم جريان
الأصولعند التمكن من تحصيل العلم لفظيّة كانت أو عمليّة لأنّ جواز العمل
بالأصول مطلقا مشروط بالفحص عمّا يقتضي خلافها و لا يرد ذلك علينا حيث