بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨٣
العلم و الجهل و بعبارة أخرى فرق بين المنقوض و المنقوض به لأنّ الطّهارة ممّا يتّصف بالظّاهريّة و الواقعيّة و يكون لها وجود ظاهريّو وجود واقعي مترتب على الموضوع الواقعي مع قطع النّظر عن العلم و الجهل فلا مانع من إجراء الاستصحاب بالنّسبة إلى الطّهارة الواقعيّة المترتّبةعلى الموضوع الواقعي و إن لم يجر بالنّسبة إلى الطّهارة الظّاهريّة المترتّبة على الموضوع المشكوك و هذا بخلاف حكم العقل بحرمة العمل بما وراءالعلم من باب التّشريع و الافتراء فإنّه لا ينقسم إلى القسمين بل يكون واقعيّا بقول مطلق لأنّ حكم العقل بحرمة التشريع لا يعقل له جهة ظاهريّةأصلا فإنّه بعد العلم بورود الدّليل على المشروعيّة و الجواز لا يعقل معنى للتّشريع و قبله يكون التشريع المحرّم متحقّقا قطعا حسبما عرفت تفصيلالقول فيه و كذلك الكلام بالنّسبة إلى حكم العقل في قاعدة الاشتغال و البراءة بل الأمر في جميع موارد حكم العقل كذلك و الوجه فيه أنّالحكم العقلي لا يتّصف بالظّاهريّة في مورد من الموارد لأنّ الحكم لا يعقل له جهة اشتباه بالنّسبة إلى نفس الحاكم سواء كان هو العقل أو غيره و إنّمايعرض الحكم في القضايا العقليّة على الموضوعات المعلومة الغير المنفكّة عن الحكم فإن علم بالموضوع حكم حكما قطعيّا و إن لم يعلم لم يحكم قطعافإنّ الموضوع في القضايا العقليّة هي العلّة التّامّة هذا و قد عرفت بعض الكلام فيه في أوّل التّعليقة و ستقف على تفصيل القول فيه إن شاء اللّه تعالىفي الجزء الثالث من التّعليقة عند التكلّم في عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة تتميم التفصّي عن النّقض المتقدّم ثمّ إنّ هذا الّذي ذكرنا من التّفصّي عن النّقض بقاعدةالطّهارة و استصحابها إنّما هو مبني على كون الطّهارة من الأحكام الشّرعيّة المجعولة أمّا إذا قلنا بأنّها ليست من الأمور المجعولة و إنّماهي من الاعتبارات المنتزعة من الأحكام التكليفيّة أو من الأمور الواقعيّة الّتي كشف عنها الشّارع على ما هو التّحقيق عندنا من عدم تعلّقالجعل بغير الأحكام الخمسة التّكليفية حسبما ستقف عليه في باب الاستصحاب فالتّفصّي من النّقض بهما أيضا ظاهر لمن له أدنى دراية لأنّ المستصحب علىالأوّل يجعل الحكم الواقعي التّكليفي الّذي يكون منشأ لانتزاع الطّهارة و على الثّاني الأمر الواقعي الغير المجعول كما في استصحاب جميع الموضوعاتالخارجيّة ثمّ إنّ ما ذكرنا كلّه بناء على القول باجتماع القاعدة و الاستصحاب و جريانهما في مورد واحد و أمّا لو قلنا بعدم جريانالقاعدة في مسبوق الطّهارة بناء على القول باعتبار الاستصحاب من جهة حكومته على القاعدة بناء على ما هو التّحقيق الّذي ستقف عليه من أنّكلّ ما يكون حاكما على غيره في صورة تنافي مدلوليهما يكون حاكما عليه في صورة توافق مدلوليهما فالأمر أوضح كما هو واضح في أنّ ما ذكر من التفصّي يجري في قاعدة الاشتغال و استصحابه فإن قلت ما ذكرتهفي التّفصّي من النّقض بقاعدة الطّهارة و استصحابها يجري في قاعدة الاشتغال و استصحابه حرفا بحرف و إن لم يجر بالنسبة إلى مسألة التشريعلأنّ الطّهارة كما يكون على قسمين كذلك الاشتغال يكون على قسمين واقعيّ و ظاهريّ فلم منعت من عدم جريان استصحاب الاشتغال مقيسا لهبأصالة عدم الحجيّة قلت نمنع من جريان ما ذكرنا في الطّهارة بالنّسبة إلى الاشتغال لأنّك قد عرفت أنّ حكم العقل بلزوم التخلّص عن العقابحكم واقعي غير مأخوذ فيه الشك غاية الأمر أنّه توجد في صورة الشّكّ أحيانا من جهة وجود مناطه فيها لا من جهة كون الشّكّ مأخوذا فيموضوعه و بالجملة قد عرفت أنّه لا معنى لتقسيم حكم العقل إلى الظّاهري و الواقعي لأنّه لا يحكم إلاّ على الموضوعات المعلومة و القضايا الأوليّة غايةالأمر وجود موضوع حكمه في بعض صور الشّك أيضا في أنّ ما ذكر في الأصول العقليّة يجري في الأصول الشرعية أيضا فإن قلت ما ذكرته في الأصول العقليّة يجري في الأصول الشّرعيّة أيضا طابق النّعلبالنّعل لأنّ حكم الشّارع بالبناء على طهارة ما لم يعلم قذارته حكم واقعيّ لهذا الموضوع يجامع الشّكّ و الظّن بالخلاف في الجملة فلا يكون إذا ظاهريّا قلت قياس الأصول الشّرعيّة بالأصول العقليّة قياس فاسد لأنّا لا نعني بالحكم الظّاهري إلاّ ما كان ثابتا لشيء بوصف عدم العلم بالحكم الواقعيالمجعول له بحيث كان عدم العلم به مأخوذا في موضوعه و إلاّ فلا ريب في أنّ كلّ حكم بالنّسبة إلى موضوعه حكم أوّلي له و لذا سمّي الحكم الظّاهري واقعيّاثانويّا أيضا لكن هذا لا يصير سببا لخروجه عن الحكم الظّاهري بالمعنى الّذي جرى عليه اصطلاح أهل الفنّ و هذا بخلاف حكم العقل فإنّه لم يحكمفي موضع بشيء من جهة عدم العلم بالحكم الواقعي المجعول للمكلّف نعم قد يكون المناط في حكمه أمر يوجد اتّفاقا في صورة الشّك أيضاو مجرّد هذا لا يوجب عدّ حكم العقل في الحكم الظّاهري فيقال مثلا أنّ حرمة التّشريع في صورة الشّك بكون شيء من الدّين حرمة ظاهريّة و فيصورة العلم بعدم كونه منه حرمة واقعيّة فإن قلت لو كان الأمر كما ذكرته فلم أدرجت الاشتغال و البراءة و التّخيير في عداد الأصولالظّاهريّة المقرّرة لبيان حكم الشّاك في الحكم و سمّيتها أصولا و قسّمت الأصول إلى العقليّة و الشّرعيّة قلت تسميتها أصولا مبنيّة علىالتّسامح بملاحظة وجود مناط حكم العقل في صورة الشّك فتأمّل أو نقول تسميتها أصولا باعتبار استفادتها من الشّرع أيضا كما ستقفعليها في محالها فتأمّل فإن قلت ما ذكرته بالنّسبة إلى حكم العقل بوجوب التخلّص عن العقاب أو قبح العقاب من غير إعلام أمر مسلّم لا شبهةفيه أصلا لكن المتمسّك باستصحابها لم يرد به استصحاب هذا الحكم العقلي حتّى يتوجّه عليه ما ذكر بل أراد به نفس اشتغال الذّمة و عدمالتكليف الواقعي الّذي يعبّر عنه بالبراءة الأصليّة الّتي لا مجال لإنكار وجودها بحسب الواقع مع قطع النّظر عن العلم و الجهل و وجودها بحسب