بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٨٠
في أوّل التّعليقة عند الكلام في أحكام العلم فراجع إليه و مثله ما لو تعلّق الحكم واقعا على المظنون فإنّه لا معنى لاستصحابه عند زوال الظّنإلاّ فيما أفاد الاستصحاب الظّن فيعمل به و يحكم ببقاء الحكم واقعا لا من جهة اعتبار الاستصحاب بل من جهة حصول الظّن منه و إن كان على النّحوالثّالث فلا إشكال أيضا في عدم تعقّل جريان الاستصحاب بالنّسبة إليه للقطع ببقائه عند الشّك في معنى وقوع الموضوع موردا لتنزيل الشّارع إثباتا و نفيا نعم لو فرض الشّك في بقاء الحكممن جهة النّسخ جرى فيه أصالة عدم النّسخ التي هي من أقسام الاستصحاب عند المشهور و إن لم يكن الأمر كذلك عندنا حسبما ستقف عليه فيمحلّه إن شاء اللّه تعالى كما أنّه لا إشكال في جريان الاستصحاب بهذا المعنى في القسم الثّاني كما إذا شكّ في نسخ الحكم المترتّب على الموضوع المعلوم فيالشّريعة و لكن هذا خروج عن محلّ البحث فإنّ الكلام في الشّك في بقاء الحكم من جهة الشّك في بقاء موضوعه و إن كان على النّحو الرّابعفلا إشكال أيضا في عدم جريان الاستصحاب فيه للقطع بوجود ما هو المناط فيه في صورة الشّك كما يقطع بوجوده في صورة العلم فلا يعقلإجراء الاستصحاب في نفس الموضوع الواقعي المجامع لهذا المناط في حالتي العلم به و الشّك فيه توضيح ذلك أنّ المقرر في باب الاستصحابكما ستقف عليه إن شاء اللّه تعالى و غيره أنّ الموضوع الخارجي ممّا لا يقبل تعلّق الجعل الشّرعي به لعدم كونه من مقولة الإنشاء و الحكم و إنكان مخلوقا للشّارع من حيث كونه خالقا بل مرجع حكم الشّارع ببقائه أو رفعه أو حجيّته ما قام عليه من الأمارات إلى وجوب الالتزامبما يترتّب عليه في الشرعية من الأحكام الّذي يرجع إلى الجعل الظّاهري لهذه الأحكام و هذا معنى ظاهريّة الموضوعات و إلاّ فليست من قبيلالأحكام الّتي لأنفسها وجود ظاهري و إن لم يترتّب عليها أحكام أخر فإذا كان الموضوع ممّا يترتّب عليه الحكم في الشريعة فيمكن حكم الشّارعبالبناء على ثبوته في صورة الشّك من الأعدام و الوجودات و إلاّ فلا يعقل تعلّق الحكم الشّرعي به فإذا فرضنا في الفرض عدم تعلّق الحكم الشّرعيبالموضوع الّذي يراد استصحابه لم يمكن إجراء الاستصحاب فيه فالموضوع المشكوك ممّا لم يترتب عليه حكم حتى يمكن استصحابه و الذي يترتّبعليه الحكم لم يشكّ في بقائه نعم فيما حكمنا بعدم جريان الاستصحاب فيه لو فرض هناك حكم و محمول آخر غير ما فرضنا تعلّقه بالموضوعاتبملاحظة العنوانات المسطورة متعلّق بذات الموضوع لم يكن إشكال في جريان استصحاب الموضوع ليترتب الحكم المفروض عليه فقد يكون لموضوعحكمان بالاعتبارين يجري استصحابه بملاحظة أحدهما عند الشّك في الموضوع دون الآخر كما هو واضح نقل كلماتهم في معنى التّشريع الثّاني أنّك قد عرفت في طيّ كلماتناالسّابقة أنّ حرمة العمل بما ليس بطريق و حجّة في حكم الشّارع ليست ذاتيّة بل هي تشريعيّة فلذا حكمنا بإمكان الاحتياط فيه في صورة الشّكفي الحجيّة و عدم حرمة العمل به إذا لم يكن العمل على وجه الالتزام إذا لم يكن ثمّة محذور آخر الثّالث أنّه اختلفت كلمة الأصحاب فيالجملة في موضوع التشريع بعد اتّفاقهم على حرمته بالأدلّة الأربعة فعن المشهور المنصور عند الأستاذ العلاّمة دام ظله أنّه إدخال ما لم يعلمأنّه من الدّين في الدّين بقصد أنّه من الدّين بمعنى كون عمله على وجه ينسبه إلى صاحب الدّين سواء علم عدم كونه منه أو شكّ فيه و المراد من عدمالعلم أعمّ من العلم واقعا و ظاهرا أو غير العلم المنتهي إلى العلم فالتشريع عنوان يجامع العلم بالعدم و الشّك إذا لم يكن أخذ المكلّف بأحد الطّرفينبمقتضى الدليل المعتبر و إلاّ فلا يكون تشريعا قطعا كما عرفت من بيان حده نعم لو أتى المكلّف في صورة الشّك في هذا الفرض بأحد الطّرفينالذي قام الدليل عليه بعنوان كونه الواقع الأوّلي كان تشريعا أيضا كما هو ظاهر هذا و يظهر من غير واحد أنّ التشريع لا يجامع العلم بالعدم بلالشّك لعدم تأتي القصد فيهما بل هو عبارة عن إدخال ما علم أنّه من الدّين في الدّين بقصد أنّه من الدّين مع كون العلم حاصلا عن تقصير كما فيأكثر علوم العوام على خلاف الواقع قال في الروضة في مسألة استيعاب الرّأس بالمسح نعم يكره الاستيعاب إلاّ إذا اعتقد شرعيّته انتهىو قال المحقّق الخونساري في محكي شرحه عليها إلى وجوبه أو استحبابه فيحرم فعله بهذه النّسبة لحرمة كلّ عبادة لم تكن متلقّاة من الشّارعأو يحرم ذلك الاعتقاد ثمّ تأمّل في الوجهين بما يطول المقام بذكره من أراد الوقوف عليه فليراجعه و قال بعض أفاضل من قارب عصرنافي جملة كلام له يطعن فيه على ظاهر كلمات القوم و بالجملة الفعل الّذي لم يدلّ دليل فاعله على شرعيّته إمّا يفعله من غير اعتقاد شرعيّته فلا دليلعلى حرمته و لو تصوّر أو خطر بباله الشّرعيّة أو يفعله باعتقادها و لا يمكن أن يكون ذلك إلاّ بدليل انتهى كلامه و قال بعد جملة كلام لهساقه في حكم المقام و التّحقيق أنّ كلّ فعل لم يثبت من الشّارع لا يمكن الإتيان به باعتقاد أنّه من الشّارع و لكن يمكن فعله براءة أنّه من الشّارعأو جعله شرعا للغير و هو تشريع و إدخال في الدّين و إن لم يعتقده المشرّع و هذا هو البدعة و لذا يطلق البدعة على ما ابتدعه خلفاء الجور كالأذانالثّالث في يوم الجمعة و غسل الرّجلين و تثليث غسل الوجه في الوضوء و صلاة الضّحى و الجماعة في النّوافل و نحو ذلك مع أنّهم ما كانوا يعتقدون ثبوته من الشارعو إنّما أدخلوه في الدّين إدخالا بل و إن اعتقدوها أيضا انتهى كلامه رفع اللّه في الخلد مقامه فتلخّص من جميع ذلك أنّ المستفاد من كلام هؤلاءعدم تحقق التّشريع إلاّ مع الاعتقاد بأنّه من الدّين اعتقادا لا يعذر فيه المعتقد سواء كان عاميّا أو مجتهدا و هو كما ترى لأنّ هذا الوهم نشأ