بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٧٥
من جهة استحالة تعلّق الجعل بها و أنّ مرجع حجيّة الأمارة القائمة عليها هو
ترتيب أحكامها على مؤدّاها ظاهرا ما دامت قائمة ببقاء جهلمن قامت عنده
الأمارة على الموضوع و أن مآل الأمر بالعمل بالأمارة القائمة على الأحكام
الشّرعيّة أيضا على مذهب المخطئة إلى وجوب الالتزام بهاو بآثارها في
الظّاهر بحيث لا يوجب قيام الأمارة تأثيرا في الأحكام الواقعيّة أصلا فلا
إشكال إذا فيما أفاده دام ظلّه و إن كان هنا فرق واضحبين مورد الأمارة في
المقامين فإنّ الموضوع الخارجي ليس مجعولا و يستحيل تعلّق الجعل بها بخلاف
الحكم الشّرعي فإنّه يستحيل وجوده بدون الجعلواقعيّا كان أو ظاهريّا إلاّ
أنّ جعل الحكم الواقعي الّذي يحكي عنه الأمارة سابق على جعل الحكم الظّاهري
و يستحيل جعله بنفس الأمر بالعمل بالأمارةالقائمة عليه على ما عرفت توضيح
القول فيه في أوّل التّعليقة في أنّ الحكم الظّاهري واقعي باعتبار
قوله
دام ظلّه و حاصل الكلام إلى آخره(١)
أقول
لمّا كان الحكم الظّاهري أيضاله واقعيّة في حياله لأنّ ثبوت كلّ محمول لما
هو الموضوع له على تقدير الثّبوت و التّحقيق لا يمكن أن يكون ظاهريّا إلاّ
بظاهريّة أصل ثبوته و إلاّفقول الشّارع يجب تطبيق العمل على مقتضى قول
العادل كقوله عليه السلام يجب الاجتناب عن الخمر له واقعيّة لا يمكن الفرق
بينهما من هذه الجهة إلاّ أنّهقد أخذ في أحدهما الجهل بحكم آخر فسمّي
ظاهريّا في اصطلاح و لم يؤخذ في الآخر ذلك فسمي واقعيّا في الاصطلاح بقول
مطلق على ما ستقف عليهمشروحا في الجزء الثّاني من التعليقة إن شاء اللّه
تعالى و من هنا ذكر الأستاذ العلاّمة دام ظلّه في حاصل الفرق بين جعل
الأمارة على الوجهينالأوّلين و الوجه الأخير أنّ مرجع الوجهين الأوّلين
إلى جعل مدلول الأمارة حكما واقعيّا بحيث لا يكون للجاهل غير مؤدّى الأمارة
حكم أصلاو مرجع الوجه الأخير إلى جعل وجوب تطبيق العمل بمقتضى الأمارة و
ترتيب آثار الحكم عليه في الواقع ما دامت الأمارة قائمة قوله
و أمّا توهّمأنّ مرجع تدارك إلخ(٢)
أقول
قد عرفت أنّ الحكم الواقعي على الوجه الثّالث موجود على الإطلاق كما أنّ
مصلحته باقية كذلك و التّدارك المفروضبمصلحة جعل الأمارة الّتي قد عرفتها
من كونها التّسهيل على العباد لا ينافي وجود المصلحة الملزمة بل يلازم
وجودها على ما عرفت تفصيل القولفيه قوله
دام ظلّه فلا يعقل عندهم إيجاب العمل إلخ(٣)
أقول
لا إشكال في صحّة ما أفاده دام ظلّه بعد التّأمل في كيفيّة الجعل على
الوجه الأخيرفمعنى حجيّة الأمارات بناء على مذهب العامّة ليس هو وجوب تطبيق
العمل عليها و جعلها طريقا إلى الواقع لعدم تعقّل ذلك بناء علىمذهبهم بل
وجوب العمل عليها و القطع بأنّ مؤدّاها حكم واقعي و هذا أمر واضح و الإشكال
إنّما هو في تصوير متعلّق الظّن عندهم مع إنكارهمالحكم الواقعي بالمعنى
الذي نحن نقول فلا يمكن تعلّقه بالحكم المجعول للموضوع من حيث هو كيف و هم
ينكرون الجعل بهذا المعنى و إلاّ لم يقولوابالتّصويب بل لا بدّ من تعلّقه
بالحكم المجعول في حقّ العالمين على ما عرفت الإشارة إليه في منع التّضاد بين الحكم الواقعي و الظّاهري
قوله
ففيه أنّ المراد بالحكم الواقعي الّذي يلزمبقاؤه إلخ(٤)
أقول
لا يخفى عليك أنّ مرجع ما أفاده دام ظلّه إلى اختيار بقاء الوجوب واقعا مع
كون الفعل حراما في الظّاهر و منع التضادبينهما فإنّ الأحكام الشرعيّة و
إن كانت متضادّة بأسرها فيستحيل اجتماعها إلاّ أنّ التّضاد إنّما هو بين
الأحكام الفعليّة لا الواقعيّة مع الفعليّةو لذا أجمعوا على صحّة الصّلاة
في الدّار المغصوبة مع الجهل بالموضوع أو الحكم في الجملة بل في نسيان
الحكم و الموضوع أيضا مع عدم التّقصير و إنخالف فيه العلاّمة قدّس سرّه
فيما سيجيء من كلامه في الجزء الثّاني من الكتاب مع عدم ارتفاع الحرمة
الواقعيّة بالجهل أو النّسيان و إن قلنا بارتفاعالقبح العقلي في الجهل
بالموضوع أو نسيانه بل في الجهل بالحكم مع عدم التقصير من حيث إنّ تبعيّة
القبح العقلي للعلم بالعنوان و عدم معذوريّة الفاعلعند العقل لا يلازم
تقييد الحكم الشّرعي بهما و إن قلنا بالتلازم كما هو واضح و سيجيء شرح
القول فيه في الجزء الثّالث فإنّ الحكم الواقعي الّذي جعللكلّ واقعة في
حقّ كلّ أحد و يلزم بقاؤه مع العلم أو الجهل به عند المخطئة و إن كان حكما و
إنشاء في حياله و ليس مجرّد الشّأنية و المصلحة المقتضيةله كيف و اشتراطه
بالعلم به مستلزم للدور كما هو ظاهر إلاّ أنّه ليس بمجرّده لازم الامتثال
ما لم يكن للمكلّف طريق إليه لاستقلال العقل بقبحالمؤاخذة على ما لم يكن
للمكلّف طريق إليه و لا يسمّى تكليفا حقيقة لأنّ التّكليف ليس مجرّد الفعل و
الإنشاء من المكلّف و لو لم يكن حاملا للمكلّفبالفتح و واصلا إليه بل هو
الإنشاء المقرون بالحمل بالوصول إليه كما في كثير من الأفعال التي هذا
شأنها كالإقباض و التسليم و الإكراه و نحوهاو إن أطلق عليه التّكليف مسامحة
كما يطلق الإقباض على ما يلزم حصوله من طرف في تحقق القبض إلاّ أنّه لا
تضادّ بينه و بين الحكم الفعلي المنجّزعلى المكلّف فإذا لم يكن تضادّ بينه و
بين الحكم الواقعي المنجّز على خلافه كما في المثال الّذي عرفته فإنّ صحّة
الصّلاة ليست فيه ظاهريّة بل واقعيّة فعدمالتّضادّ بينه و بين الحكم
الظّاهري على خلافه بطريق أولى و بعبارة أخرى
إن كان الوجه في عدم جواز اجتماع الوجوب الواقعي و الحرمةالظّاهريّة عدم
إمكان امتثالهما للمكلّف فهو غير وجيه قطعا لعدم وجوب امتثال الحكم الواقعي
على المكلّف كما عرفت و إن كان الوجه تضادّ أنفسهماو إن لم يلزم امتثال
الحكم الواقعي ففيه منع التّضادّ بينهما لا لكون الحكم الواقعي عبارة عن
المصلحة أو شأنيّة الحكم و الإنشاء كيف و قد عرفتفساده بل هو عبارة عن
مدلول الخطابات الواردة في الشّريعة إلى يتعلّق بها العلم و الظّن و الجهل و
لا ريب في كونها من مقولة الحكم و الإنشاء