بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦٨
في اقتضاء ما يعرضها من العناوين الطّارية عليها و إن كان الرّجوع إلى
الأصل بهذا الاعتبار أولى من الرّجوع إليه بالاعتبار الأوّل إلاّ أنّه لا
يجديأيضا في حكم العقل إلاّ على الوجه الّذي عرفته قوله
قدّس سرّه و الجواب(١)
أقول
و الوجه في هذا الجواب ظاهر إذ الإجماع الاصطلاحيلا ينفع في الامتناع و الإمكان العقليّين كما هو ظاهر فتدبّر
هذا مجمل ما يقال في المقام و قد بقي خبايا في زوايا قوله
مع أنّ الإجماععلى عدم الجواز إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّه دام ظلّه أراد بذلك الكلام المنع من قيام الإجماع على
امتناع التعبّد بخبر الواحد من اللّهعلى نحو التعبّد به من جانب النّبي
صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة القائمين مقامه أي يجوز التعبّد به من
اللّه أيضا بعد ثبوت الأحكام منهتعالى بطريق القطع و اليقين و اختفائها من
جهة إخفاء الظّالمين للحقّ هذا و لكنّك خبير بأنّ ما ذكره لا يخلو عن
التّأمّل و الإشكال إذ محلّالنزاع في جواز التعبّد بأخبار الآحاد ليس خصوص
الصّورة الّتي ذكرها الأستاذ العلامة مع أنّ ثبوت جميع الفروع بالطّريق
القطعي بحيث لا يكونلأخبار الآحاد مدخل فيها ليس بمسلّم إلاّ أن يراد
ثبوته في الجملة و لو للوصي مع أنّ جواز التعبّد بأخبار الآحاد عن اللّه
تعالى في الفرض أيضا ممّا انعقدالإجماع على خلافه و قد أجاب عن هذا الدّليل
بعض أفاضل من تأخّر بما هذا لفظه و الجواب منع الملازمة فإن الدّواعي في
الأخبار عنه تعالىمتوفرة على الكذب على تقدير القبول لما فيه من إثبات
منصب الرّئاسة و الفوز بمقام النّبوة و الرّسالة فمع ذلك فالإخبار عن اللّه
تعالى يستدعيمزيد استعداد يندر حصوله فيستبعد قبوله و لهذا يحتاج إلى
انضمام المعجزة بخلاف المقام انتهى كلامه رفع مقامه نقل كلام بعض الأفاضل في الجواب عن الدّليل الثّاني
قوله
و أمّا عن دليلهالثّاني فقد أجيب إلى آخره(٣)
أقول
لا يخفى عليك أنّ المجيب هو الفاضل المتقدّم كلامه في الجواب عن الدّليل
الأوّل و ما ذكره الأستاذ العلاّمة و إنكان حاصل كلامه إلاّ أنّ الأولى
نقل عبارته بألفاظها لما فيه من مزيد الفائدة فقال قدس سره و الجواب من
وجهين الأوّل
النّقضبالفتوى بناء على عدم التّصويب كما هو الصّواب أو بشهادة الشّاهدين
و ما قام مقامها و بالأصول المسلّمة كأصل البراءة و بالظّنون اللّفظيّةو
نحو ذلك و وجه النّقض أنّه قد يقع الخطاء في مؤدّى هذه الطرق كما يشهد به
الاعتبار و الاختبار و على تقديره يجري فيها ما ذكره في خبر الواحدبعينه من
لزوم تحليل الحرام و تحريم الحلال فيلزم عدم جواز التعويل عليها و هو باطل
بالضرورة و الإجماع و ربما أمكن النّقض بالقطع أيضالوقوع الخطاء فيه و إن
كان أقلّ من غيره و أمّا ثانيا
فبالحلّ و هو أنّه إن أريد بتحليل الحرام أو تحريم الحلال جعل ما هو حرام
ظاهرا و تحريمما هو حلال كذلك فالملازمة ممنوعة إذ ثبوت الأحكام في
الظّاهر منوط بمساعدة الأدلّة عليها و لا فرق حينئذ بين أن يعتبر التّحليل و
التّحريمالمستفادين من خبر الواحد ظاهريّين أو واقعيّين و إن أريد تحليل
ما هو حرام واقعا و تحريم ما هو حلال واقعا فإن اعتبر التّحليل و التّحريم
منحيث الواقع فالملازمة أيضا ممنوعة و إن اعتبر من حيث الظّاهر فبطلان
التّالي ممنوع فإن ثبوت الأحكام عندنا تابع لحسن تشريعها فقد يحسنوضع
القاعدة و تعميمها إلى مواردها تسهيلا لأمر التّكليف و إن ادّعى إلى ارتكاب
القبيح الواقعي و من هذا الباب جواز الاعتماد على الأماراتالشّرعيّة من
الاستصحاب و قول ذي اليد و الشّهادة مع إمكان الفحص عن الواقعة و تحصيل
العلم بها و لو قرّر النّزاع في صورة انسداد بابالعلم و بقاء التّكليف
فالمنع أوضح إذ قد يحسن الأمر بالقبيح محافظة على ما هو أهمّ منه من فعل
الحسن و يحسن النّهي عن الحسن محافظة على ما هوأهمّ من ترك القبيح فكما أنّ
القبيح قد يكون مقدّمته تعينيّة لما هو أهمّ من فعل الحسن فيجوز لنا
ارتكابه بل يجيب للتوصّل إليه مع علمنا بقبحه قديكون الحسن سببا لحصول قبيح
تركه أهمّ من فعله فيجوز لنا تركه بل يجيب تحرّزا عن حصول القبيح مع علمنا
بحسنه فكذلك الحال فيما اشتبه عليناالحال فلم نتمكّن من تميز القبيح عن
الحسن فيحسن في حقّنا ارتكاب القبيح أو ترك الحسن للتّوصّل إلى الأهمّ
فيحسن من الشّارع أن يلزمنا به مع قضاءالمصلحة لعدم وضع أسباب التّميز و من
هذا جملة من الطّرق الشّرعيّة بالنّسبة إلى مواردها الّتي لا سبيل لنا إلى
تحصيل العلم بها كأخبارالآحاد و الشّهادات فإنّها و إن لم يستلزم الإصابة
للواقع بل قد يتخلّف عنها لكنّ الغالب فيها الإصابة فجاز أن يحسن منّا
الأخذ بها بجميعمواردها حتّى موارد التخلّف مع عدم العلم به و أن يحسن من
الشّارع أن يكلّفنا به تحصيلا لما هو الغالب فيها من الإصابة و أمّا
بالنّسبة إلىالموارد الّتي يتمكن فيها من تحصيل العلم بالواقعة فتسويغ
الأخذ بتلك الأمارات مبنيّ على الوجه السّابق ثمّ
هذا مبنيّ على ما حقّقناهفي محلّه من أنّ حسن الفعل و قبحه ليس من لوازمه
و ذاتيّاته غالبا بل مبناهما على الوجوه و الاعتبارات اللاّحقة له
فيختلفان باختلافالأحوال فيصحّ في قتل النّفس المحترمة الّذي هو قبيح قبل
قيام الشهادة الزّور المعتبرة في ظاهر الشّريعة أن يكون حسنا بعد قيامها و
هكذاالكلام في نظائر ذلك و أمّا ما يجاب به من أنّ الغرض الدّاعي إلى تشريع
الأحكام أمران أحدهما
الوصول إلى لوازمها و جهاتها الواقعيّة و الثّاني
إظهار الامتثال و العبوديّة و الأمر الأوّل و إن جاز تخلّفه من التّعويل
على تلك الطّرق إلاّ أنّ الأمر الثّاني ممّا لا يتخلّف بعدتشريع الشّارع
لها و الأمر بمقتضاها جميع أنبيائه على ما تحقّق في محلّه من أنّ جهات
التكليف لا تنحصر في جهات الفعل و لا يقول به المجيب ممّا