بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦٥
ممّا لا معنى له ضرورة استحالة اعتبار الوحدة و التّعدّد بالنّسبة إلى شيء
واحد فإن لازمته منه الإرجاع الحكمي بمعنى أنّ الخطابين في حكم خطاب
واحدفي بناء العقلاء بالنّسبة إلى حرمة المخالفة القطعيّة بمعنى أنّ مخالفة
أحدهما لا على التّعيين كمخالفة الخطاب المفصّل في بنائهم على عدم جوازهاو
استحقاق المخالف المؤاخذة عليها و في حكم خطابين بالنّسبة إلى وجوب
الموافقة القطعيّة فلا يلتزمون بوجوبها ففيه أنّ هذا أيضا ممّا لا معنىله
أصلا لأنّ العقل و العقلاء إمّا بانيان على تنجّز الخطاب بمجرّد العلم
الإجمالي بتوجّه خطاب إلى المكلّف سواء كان مفصّلا أو مردّدا أو غيرها
تبنيعلى ذلك فإن بنيا على الأوّل فلا معنى للتفصيل كما أنّه لو بنيا على
الثّاني لا معنى للتّفصيل أيضا و بالجملة التّفكيك بين حرمة
المخالفةالقطعيّة و وجوب الموافقة القطعيّة في حكم العقل و العقلاء ممّا لا
معنى له و إن أردت شرح القول فيه فانتظر لما سيتلى عليك في الجزء الثّاني
منالتّعليقة في نقل كلام صاحب الفصول و الاعتراض عليه
قوله
و قد يقال بالتّخيير مطلقا من جهة ما ورد إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّه قد جزم بهذه المقالة بعض أفاضل من تأخّر قالفي فصوله
بعد ذكر الوجه لوجوب الاحتياط على الخنثى في الأحكام المختصّة بكلّ من
الرّجل و المرأة ما هذا لفظه و ينبغي أن يستثنى من الحكم الأوّلكلّ حكم
يعذر فيه الجاهل كالجهر و الإخفات في مواضعهما فلا يجب عليه الاحتياط في
ذلك بل يتخيّر عند عدم سماع الأجانب صوتها لجهله بالحكمفيقطع بالبراءة
بدون الاحتياط ثمّ
قال و هذا هو السّر في التزام الشّهيد رحمه الله في الذّكرى بوجوب
الاحتياط في مسألة السّتر و لبس الحرير ومسيره إلى التّخيير في مسألة الجهر
و الإخفات فلا تدافع بين الحكمين أصلا كما زعمه الفاضل المعاصر في كلامه
انتهى كلامه رفع مقامه و أنت خبير بضعفهذا التّوهّم أمّا أوّلا
فلأنّ صريح الأخبار إنّما هو في الجهل من حيث الحكم لا الجهل من حيث
الموضوع و لا الأعمّ منهما كما هو ظاهر لمن راجع إلىما دلّ على معذوريّة
الجاهل في مسألة الجهر و الإخفات و المفروض علم الخنثى بحكم كلّ من الرّجل و
المرأة في مسألة الجهر و الإخفات أو يفرض الكلامفي هذا الفرض فلا دخل لما
دلّ على معذوريّة الجاهل بمسألة الجهر و الإخفات في الشّرع بالمقام و
القول بأنّا نفرض الكلام في الخنثى الجاهل بحكم المسألة ثمّ
يلحق العالم به بالإجماع المركّب و عدم القول بالتّفصيل فيه ما لا يخفى على الجاهل فضلا عن العالم و أمّا ثانيا
فلأنّ صريح الأخبار إنّما هوفي الجاهل المركّب لا الجاهل البسيط مضافا إلى
قيام الإجماع على بطلان صلاة من جهر في الصّلاة أو أخفى فيها متردّدا
شاكّا في صحّة عمله حتّىلو جهر في موضع الجهر و أخفى في موضع الإخفات فضلا
عن صورة مخالفة عمله للواقع و الحاصل أنّ المنساق ممّا دلّ على معذوريّة
الجاهل فيالمسألة هو سقوط الإعادة و القضاء عمّن صلّى جهرا أو إخفاتا
معتقدا كون الواجب عليه ما أتى به و لو كان غير معذور في هذا الاعتقاد و
أينهذا من معذوريّة الجاهل بالحكم التّكليفي في الشّبهة الموضوعيّة
الرّاجعة إلى التّخيير بزعم القائل فالمقام يفارق مورد الدّليل المذكور
منوجوه فافهم
و بالجملة ما أفاده رحمه الله في المقام في كمال الوضوح من الفساد و منه
يظهر فساد ما أورده على الفاضل القمي رحمه الله من عدم التّدافع بينكلامي
الشّهيد في المسألتين على تقدير كون مراد الشهيد ما ذكره نعم
يمكن أن يقال إنّ حكم الشّهيد رحمه الله بالتخيير لعلّه كان من جهة
الدّليل الوارد و لو منجهة الإجماع المدّعى على عدم وجوب تكرار الصّلاة
عليها لا من جهة اقتضاء نفس الشّك في المسألة حتّى يتوجّه عليه ما أورده
عليه الفاضل القمّي رحمه الله قوله
و أمّا تخيير قاضي الفريضة المنسيّة إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّ ما ذكره دفع لما قد يورد على ما ذكره في دفع التّوهم
الّذي توهّمه بعضأفاضل المتأخّرين من أنّ المراد بالجاهل في الأخبار هو
الجاهل بالحكم بالجهل المركّب من أنّه لو كان المراد بالجاهل هو الّذي ذكره
الأستاذ العلاّمة لزمالحكم بعدم تخيير قاضي الفريضة المنسيّة بين الجهر و
الإخفات في الرّباعيّة مع أنّه جاهل بالموضوع بالجهل البسيط و حاصل ما
ذكره دام ظلّه فيدفعه هو أنّ الحكم بالتّخيير في المسألة ليس من جهة ما
ورد في تخيير الجاهل بحكم الجهر و الإخفات بل إنّما هو من جهة حكم العقل به
بعد قيام الدّليلعلى اكتفائه بالصّلوات الثّلاث على خلاف القاعدة فإنّ
لازم الاكتفاء بها سقوط اعتبار الجهر و الإخفات فتخييره بين الجهر و
الإخفات حقيقة ليس تخييراشرعيّا بل تخيير عقلي بل يمكن أن يقال إنّه ليس
تخييرا عقليّا بل هو إسقاط محض كما هو واضح في أنّ استفادة العموم من الآية لا يخلو عن مناقشة و نظر
قوله
و فيه أنّ عموم وجوب الغضّ على المؤمنين و على المؤمناتإلاّ عن نسائهنّ أو الرّجال المذكورين في الآية إلى آخره(٣)
أقول
قال اللّه تعالى في محكم كتابه الكريم و مبرم خطابه العظيم في سورة النّور مخاطبا لنبيّه صلى اللَّه عليه و آله
قل للمؤمنين يَغُضُّوا مِن أَبْصارهم و يحفَظوُا فروجَهُمْ ذلك أزكى لهم
إِنّ اللّه خبيرٌ بما يَصْنَعُونَ و قل لِلمؤمناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصارِهِنَّ و يَحْفَظْنَفُروجَهُنّ و لا يُبْدين زينتَهُنّ إلاّ
لبُعُولتهنّ أو آبائهنَّ أو آباء بُعُولتهنّ أو أَبْنائهنّ أو أبناء
بُعُولتهنّ إلى آخر الآية لا يخفى عليك أنّ استفادة
العموممن الآية إنّما هي باعتبار حذف المتعلّق في الآيتين و إن تأيّد في
الآية الثّانية بالاستثناء و لكنّها محلّ نظر ضرورة أنّه لا يمكن ادّعاء
وجوب الغضّعن كلّ شيء إلاّ ما خرج فتدبّر
ثمّ على تقدير تسليم العموم قد يستشكل في جواز الاستدلال بهما في المقام
بناء على عدم كون الخنثى واسطةعلى ما هو قضيّة التحقيق و الفرض فإنّ
المفروض أنّ جواز النّظر إلى المماثل قد ثبت بمقتضى الكتاب و السّنة و
الإجماع و الشّكّ في حكم الخنثى إنّما هومن جهة الشّكّ في الموضوع و قد ثبت
عند المحقّقين أن التّمسك بالعمومات لا يجوز في الشّبهات الموضوعيّة و قد
اعترف به الأستاذ العلاّمة في غير موضع