بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٦
حجّيته عند الشّارع هو إيجاب الشّارع العمل به من حيث كونه كاشفا علميّا عن المعلوم و من المعلوم ضرورة أنّ هذه القضيّة غير القضيّة الّتيحكم فيها بثبوت ذات المعلوم و المنكشف لما هو الموضوع له في نفس الأمر فكما يكون في موارد الظّن الثّابت حجيّته قضيّتان واقعيّة ثابتة في نفسالأمر مع قطع النّظر عن الظّن و لا يختلف فيها الحال باختلاف المكلّفين بحسب الظّن و الشّك و ظاهريّة بملاحظة الظن و يكون الظّن موضوعا لهاو يختلف باختلاف المكلّفين في الظّنون بحسب المؤدى و من هنا نقول بالتّصويب في الأحكام الظّاهريّة عند اختلاف المجتهدين في الآراء مع قولنابالتخطئة بالنّسبة إلى الأحكام الواقعيّة الثّابتة لنفس الأشياء مع قطع النّظر عن الإدراكات فكذلك لا بدّ على القول بكون اعتبار العلم جعليّافي قبال القول بكونه قهريّا أن يلتزم في مورد العلم بثبوت قضيّتين قضيّة واقعيّة لا دخل للعلم فيها أصلا و قضيّة ظاهريّة تابعة لوجود العلمفيختلف باختلاف العالمين و تنفكّ عن القضيّة الأوليّة فلا بدّ من أن يلتزم بوجود الأمر الشّرعي عند خطاء العلم كما يلتزم به عند خطاء الظّنفربما يترتّب هناك ثمرة على القولين في مسألة الإجزاء كما لا يخفى إذ على القول بالجعل يكون المكلّف عاملا بالأمر الشّرعي الظّاهري عند ظهور خطاءالعلم كالعامل بالظّن المعتبر عند ظهور خطاء الظّن فيمكن القول بالإجزاء على هذا و هذا بخلاف القول بعدم الجعل فإنّه لا يلتزم بأمر شرعيّسوى الأمر الواقعي فلا يعقل الإجزاء على مذهبه عند ظهور الخطاء لانتفاء سلوك الأمر الواقعي بالفرض و عدم أمر آخر على مذهبه حتّى يكونامتثاله مجزياً فإذا كان لازم القول بالجعل حسب ما عرفت الالتزام بثبوت قضيّة أخرى غير القضيّة الأوليّة الواقعيّة الّتي لا دخل للعلم فيهابالفرض و كان ترتب المحمول على ما هو الموضوع له في القضيّة الأوليّة عند العلم بالموضوع قهريّا حسب ما عرفت فلا يعقل هناك جعل آخر من الشّارعبالنّسبة إلى العلم يوجب ترتّب المحمول الأوّلي على موضوعه الواقعي بحيث لولاه لما كان مترتّبا قهراً حسب ما هو لازم القول بالجعل كما يكون الأمركذلك بالنّسبة إلى الظّن المعتبر حيث إنّه لا يحكم هناك عند وجود الظّن بالحكم بثبوت المحمول في القضيّة الأوليّة إلاّ بعد ثبوت اعتبار الظّنعند الشّارع بالمعنى الّذي عرفته فإنّه بعد قيام الظّن المعتبر و إن لم يثبت الواقع واقعا حيث إنّ ثبوته في الواقع تابع لثبوته كذلك من غير مدخليّةللظّن إلاّ أنّه يبني على ثبوته في مرحلة الظّاهر و ترتيب محمولاته التي هي من سنخها عند وجود الظّن المعتبر الكاشف عنه و هذا معنى قولنا إنّ اعتبارالعلم ذاتي لا جعلي فلا يلتزم بثبوت إنشاء و حكم آخر للشارع غير الحكم الواقعي متعلّق بالعلم كما أنّ لازم القول بكون اعتباره جعليّا الالتزام بحكم للشّارع وراء الحكم الواقعي عند العلم فإن ترضى من نفسك أن تقول بهذه المقالة الفاسلةفقل بها ثمّ استدلّ لها بالإجماع و غيره و لعمري إنّ من قال بها لم يتأمّل كمال التّأمّل فيما يترتّب عليه و إلاّ لم يقل بها كيف و فسادها واضحعند التّأمّل فلا يظنّ المصير إليه بمن له بضاعة من العلم في نقل كلام صاحب الفصول و صراحته في كون العلم مجعولا كالظن و قد عثرت بعد هذا على كلام لبعض أفاضل مقاربي عصرنا في الفصول في جملة كلامله في باب التّقليد في طيّ أقسام معذوريّة الجاهل يلتزم في ضمنه بما ذكرنا من الجعلين في مورد القطع بالواقع حيث قال بعد جملة كلام له فيماعدّه من القسم الثّاني ممّا ذكره ما هذا لفظه و لا ينافي ذلك كون وجوب العمل بالأمارة حين عمله بها واقعيّا أيضا لأنّ للواقع مراتب باعتبارنفس الفعل و باعتبار الأحوال الطّارئة على المكلّف ثانية كلّ مرتبة بالنّسبة إلى سابقها ظاهريّة فالواجب من الصّلاة مثلا على المكلّف أوّلا هوالصّلاة الواقعيّة و إن كان فعليّته مشروطة بمساعدة طريق معتبر عنده عليها ثمّ أدّى طريقه الواقعي إلى كونها صلاة مطلوبة سواء كانالطّريق معتبراً مطلقا كالقطع بأنّ ما قطع بأنّها صلاة واقعيّة ظاهريّة واجبة بالوجوب الظّاهري فإن طابقت الواقع فهي صلاة واقعيّة واجبةبالوجوب الواقعي أيضا فوجوب ما هي صلاة واقعيّة في المرتبة الأولى من الواقع و وجوب ما قطع بأنّها صلاة واقعيّة في المرتبة الثّانية من الواقعإن غايرت الأولى و يتداخل الامتثالان على تقدير المطابقة و يتفارقان على تقدير عدمها انتهى ما أردنا نقله من كلامه قدس سره و هو كماترى راجع إلى ما عرفت و إن كان تقييده بالمغايرة في ذيل كلامه و حكمه بتداخل الامتثالين ممّا لا يعقل له معنى محصّل كما سيجيءو كيفما كانصريحه كون العلم مجعولا كالظّن و ممّا ذكرنا ظهر لك فساد الاستدلال لاعتبار العلم في كلام بعض المتأخّرين بالإجماع و ما دلّ على وجوب تحصيلالعلم و المعرفة في الأصول و الفروع من حيث إنّ إيجاب تحصيله يلازم اعتباره شرعاً و إن كان فيما ذكر من تقريب الاستدلال منع واضح مع قطعالنّظر عن استحالة الجعل و ما في كلام بعض المحقّقين في تعليقاته على المعالم من أنّ العلم طريق شرعاً و عقلا إن أراد منه أنّ إفاضة الطّريقيّة من الغيرو إن أراد كونه طريقا عند الشّارع و العقل ذاتا بالمعنى الّذي عرفته لا أن يكون بجعل منهما فلا غبار عليه هذا و لكن صريح كلام أخيه الفاضلفي غير موضع من كتابه كون العلم مجعولا كالظّن فراجع إليه حتّى تقف على حقيقة الأمر و سنتلي عليك بعض كلماته الصّريح في ذلك في مسألةقطع القطاع و يكفيك في ذلك ما أسمعناك سابقا و منه يعلم أنّ قوله قدس سره و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشّارع إنّما هو في مقام بيان نفي قابليّةالجعل على الإطلاق لا خصوص جعل الشّارع هذا في إبطال الشبهات التي أوردها على كون العلم طريقا ذاتيا و هنا شبهات على ما أفاده قدس سره من كون طريقيّة العلم ذاتيّا و معلّلا بذاته منها أنّه ينافي ماعليه الشّيعة بل المسلمون قاطبة من عدم ترتيب النّبي صلى اللَّه عليه و آله و الوصيّ عليه السلام أحكام الواقع في جميع موارد علمهم بالموضوعات من الأسباب الإلهيّة الغيبيّة