بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥٤
حتّى ينفك المخالفة الالتزاميّة عن المخالفة العمليّة فنحن نقول أيضا
تحريرا لما هو المقصود بالبحث في المقام أنّ الوجوب و التّحريم اللّذين
تعلّقالعلم بأحدهما إمّا أن يكونا تعبّديّين أو يكونا توصّليين أو يكون
أحدهما المعيّن تعبّديّا و الآخر توصّليا أو يكون أحدهما لا على
التّعيينفي نظرنا تعبّديا و الآخر توصّليا فإن كانا من القسم الأوّل فلا
إشكال في خروجه عن محلّ البحث و دخوله في المخالفة العمليّة و إن كانا من
القسمالثّاني و كان الزّمان واحدا فلا إشكال في دخوله في محلّ البحث
لامتناع خلوّ المكلّف عن الفعل الموافق لاحتمال الوجوب و التّرك الموافق
لاحتمالالحرمة فعلى كلّ من التّقديرين قد أتي بما يكون موافقا لأحد
الاحتمالين و إن كان إتيانه بعنوان الإباحة لأنّ المفروض كون كلّ
منهماتوصليا و إن كانا من القسم الرّابع فلا إشكال في دخوله في محلّ البحث
بعد اتحاد الزّمان فإنّ مع اختيار أحد من الفعل و التّرك بعنوان الإباحةكما
هو محلّ الفرض يحتمل الموافقة بحسب العمل للحكم المعلوم بالإجمال و لا
يقطع بمخالفته بحسب العمل لاحتمال كون حكم الواقعة توصّليا ساقطابما أقدم
إليه من الفعل أو التّرك و بالجملة دخول هذا القسم في محلّ البحث أمر ظاهر
لا سترة فيه إن شاء اللّه تعالى و إن لم يكن في الوضوح كالقسمالثّاني و
إنّما الإشكال في القسم الثّالث فظاهر الأستاذ العلامة قدس سره خروجه عن
محلّ البحث و دخوله في المخالفة العمليّة كما هو ظاهره في الجزءالثّاني من
الكتاب أيضا إلا أنّه قد يتأمّل فيه بأنّ هذا القول بإطلاقه ممّا لا معنى
له فإنّه قد يختار المكلّف الإتيان بما يكون موافقا للحكم التوصّليعلى
تقدير ثبوته فلا يقطع بالمخالفة من حيث العمل أيضا نعم
لو اختار بعد الالتزام بالإباحة ما يكون موردا للحكم التعبّدي يقطع
بالمخالفةمن حيث العمل كما هو واضح هذا و لكن يمكن التّفصي عن الإشكال
المذكور بأنّ أخذ القيد المذكور ليس لإخراجه عن محلّ البحث على كلّ تقدير
حتّى توردعليه بما ذكر بل لبيان أنّه ليس داخلا فيه على كلّ تقدير حيث إنّ
المقصود بيان ما يكون داخلا فيه كذلك و بهذا قد صرّح دام ظلّه في
مجلسالبحث و لكنّك خبير بأنّ استفادته من العبارة في غاية الإشكال و اللّه
العالم اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ تجويز المخالفة الالتزاميّة فيما كان
أحدهماالمعيّن تعبّديّا تجويز للمخالفة العمليّة القطعيّة كما هو واضح و
يقبح على الشّارع تجويزها على ما ستعرف و هذا و إن كان واضحا و يندفع بها
الإيرادإلاّ أنّه قد يستشكل استفادته من ظاهر الكتاب فتأمّل ثمّ
إنّ الوجه فيما ذكرنا من التقييد بالزّمان الواحد يظهر بعد هذا إلاّ أنّه غير مفروضالكتاب كما لا يخفى قوله
فإنّ المخالفة هنا من حيث العمل إلخ(١)
أقول
لم يرد بذلك نفي ثبوت المخالفة من حيث الالتزام بل المراد إثباتالمخالفة
من حيث العمل في قبال القسم الأوّل أي المخالفة الالتزاميّة المحضة كما هو
واضح لمن له أدنى دراية في بيان كون طهارة البدن و بقاء الحدث لمن توضّأ غفلة بمائع مردّد مثالا للاشتباه و التردّد بين حكمين لموضوعين
قوله
أو بين حكمين لموضوعين إلى آخره(٢)
أقول
ما ذكره مثالا للفرض ممّا لا شبهة فيه فإنّ موضوع الطّهارة من الخبث ظاهر
البدن و الجسم و موضوع الحدث النّفس كما أنّ الطّهارة المعنويّةو الخباثة
الظّاهريّة على عكس ذلك فإنّ الأوّل من الحالات و الأمور المعنويّة القائمة
بالنّفس كالحدث حيث إنّه من الحالات الرّذيلة القائمةبالنّفس فالمكلّف
يعلم بعد التّوضي بالمائع المردّد بين الماء و البول غفلة بعروض أمرين
مردّدين له إمّا الطّهارة المعنويّة و الظّاهريّة على تقديركون المائع ماء و
إمّا الخباثة المعنويّة و الظّاهريّة على تقدير كونه بولا فالالتزام
بظاهري من الأولين و واقعيّ من الأخيرين مستلزم للمخالفةالقطعيّة
الالتزاميّة بالنّسبة إلى حكم أحد الموضوعين فإنّ الظّاهري من كلّ منهما
ملازم للواقعي منه و كذا العكس فالتّفكيك بينهما مستلزمللقطع بالمخالفة من
حيث التّلازم الثّابت بينهما بالفرض إلاّ أنّه لا قطع هنا بحسب العمل لأنّ
كلاّ من الحكمين اللّذين التزم بهما موافق لأحداحتمالي المائع هذا كلّه
بناء على القول بكون الطّهارتين و ما يقابلهما من المجعولات الشّرعية و
إلاّ فلا بدّ من أن يلاحظ بالنّسبة إلى منشإانتزاعهما من الأحكام
التكليفيّة بناء على القول بكونهما من الأمور الاعتباريّة أو ما يترتّب
عليهما من الأحكام الشّرعيّة على القول بكونهمامن الأمور الخارجيّة
الواقعيّة التي لا دخل لجعل الشّارع فيها كسائر الموضوعات الخارجيّة و أيّا
ما كان لا بدّ من أن يراعى في البيان ما ذكرنالا ما ذكره الأستاذ العلامة
دام ظلّه فإنّ ظاهر كلامه كما هو ظاهر لكلّ من له أدنى دراية كون الالتزام
بطهارة البدن و الحدث مخالفة من حيثالالتزام مع أنّ الأمر ليس كذلك كما
عرفت فإنّها نفس ما يلتزم بها في مرحلة الظّاهر المخالف لما هو الثّابت في
الواقع قطعا لا من الأمر الواقعي الّذيالتزم بخلافه فإنّه و إن كان قد
يدفع الإشكال عن كلامه بأن المقصود منه هو التّمثيل للحكمين الثّابتين
لموضوعين من حيث تعدّد الموضوعلا من حيث كون الحكمين من الملتزم به أو من
الملتزم بخلافه إلاّ أنّه كما ترى هذا مع أنّه قد يناقش في مثال الحكمين
لموضوعين بأنّه مثالفي غير مورد العلم الإجمالي بالتّكليف الإلزامي كما هو
المفروض فليس مثالا للمقام و إن كان مثالا للمخالفة الالتزاميّة بقول مطلق
نعم
قد يفرض في مورد المثال المذكور العلم الإجمالي بالتكليف لكنّه بعيد و على فرض التحقّق خارج عن محلّ كلامه قدّس سرّه فتأمّل ثمّ
إنّ الوجهللتّقييد بالغفلة ممّا لا يكاد يخفى على من له أدنى دراية فإن
التّوضي مع الالتفات بأمر المائع و تردّده بين الماء و البول و كذا الغسل
به مع الالتفاتإليه فاسد جزما و إن كان في الواقع ماء لانتفاء قصد القربة
جزما و أصالة عدم كونه بولا لا ينفع في كونه ماء على تقدير الجريان إلاّ
بناء على القول