بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٥
و التّخيير بين الوجوب و التحريم كما هو واضح فاختلافها إنّما يجدي في دفع
الإشكال فيما لو أوجبت اختلاف الحكم و هو غير واقع بل غير ممكن
فالإشكالمتوجّه جدّا فتأمّل
فالأولى تقييد عدم إمكان الاحتياط في مجرى التّخيير بحيثيّة دوران الأمر
بين المحذورين أي الوجوب و التحريم و أمّا عنددوران الأمر بين الوجوب و
التحريم فبأنّ الّذي عليه المشهور من غير إشكال عندهم فيه بل عليه الأستاذ
العلاّمة قدس سره في هذه الرّسالة أخيراً فيغير الشبهات الموضوعيّة
التخيير لا البراءة و إن كان مختاره في رسالة أصالة البراءة التّوقف و عدم
الالتزام بحكم و لو ظاهراً لا التخيير و لا الإباحةو البراءة و عليه أيضاً
لا يرد إشكال على مجرى البراءة و إنّما ينتقض مجرى التخيير عكسا في الجملة فتأمّل
فإن شئت قلت إنّ مبنى الحصر الّذي أفادهعلى ثبوت أصالة التخيير في الشبهات الحكميّة و مبنى الإشكال المذكور على نفيها فتأمّل
و أمّا عن انتقاض مجرى كلّ واحد من البراءة و الاحتياططرداً بمجرى
التّخيير و انتقاضه عكساً بمجراهما في الشك النّاشئ من تعارض النصّين
المتكافئين فبأنّ التخيير بين النصّين المتكافئين تخيير في المسألةالأصولية
و ليس من الأصول العمليّة في شيء كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلّه
إن شاء اللّه تعالى و لذا يكون جاريا في مجرى الاستصحابو مانعاً عن جريانه
هذا و أمّا عن انتقاض كلّ من مجرى البراءة و الاحتياط بالآخر فبأنّ القائل
بالبراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثريرجع الشك لا محالة إلى
الشكّ في التكليف فتدبّر
و أمّا عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الغير المحصورة فلقيام الدليل الخاصّ
على قناعة الشارععن الحرام الواقعي ببعض محتملاته و هذا ليس من الرجوع إلى
البراءة في شيء فتأمّل
و انتظر لتمام الكلام في محلّه و أمّا رجحان الاحتياط في الشكفي التكليف
بعد الفحص حتّى مع وجود الطّريق الشرعي على نفي الإلزام فلا يرد نقضاً لأنّ
الكلام في الاحتياط اللاّزم و بعبارة أخرى الكلام إنّما هوفي مجرى أصالة
الاشتغال فتدبّر
و أمّا لزومه في الشّك في التّكليف قبل الفحص فيمكن منعه بأنّ المورد مورد
البراءة غاية الأمر كونها مشروطةبالفحص كسائر الأصول الحكميّة غير
الاحتياط على التحقيق فيجب على الفحص على تقدير إرادة العمل بأصالة البراءة
إلا أنّه يجوز له العمل بالاحتياطمن دون فحص فتدبّر
نعم يمكن أن يقال فيما يعلم المكلّف بحصول العلم له بعد الفحص بعدم مورد
للبراءة فيه لا قبل الفحص و لا بعده اللّهم إلاّ أنيقال إنّ المورد مورد
البراءة غاية الأمر أنّه يرتفع موضوع البراءة بعد الفحص فتأمّل
و منه يعلم الكلام في مسألة النّظر في المعجزة لأنّ نفيوجوب النّظر يتوقف على الفحص عن وجوبه المتوقف على معرفة النّبي فتدبّر
و ليته حرّر المقام كما حرّره في رسالة أصالة البراءة فإنّه سليمعن هذه
المناقشة و جملة من المناقشات و إن لم تخلو عن مناقشات غير مخفيّة على
الرّاجع إلى ما ذكرنا في المقام في القطع و ما يتعلق به
قوله
قدس سره أمّا القطع فلاإشكال في العمل به ما دام موجوداً لأنّه طريق بنفسه
إلى الواقع و ليست طريقيّته قابلة لجعل الشّارع إثباتا و نفياً(١)
أقول
ما أفاده قدس سره منالواضحات التي لا ينبغي الارتياب فيها على وجه لا
يحتاج إلى البيان لأنّ كل معلوم الطّريقيّة إنّما يصير معلوماً بالعلم فلا
محالة يكون معلوميّةالعلم بذاته فنسبته إلى معلوم الطّريقيّة نسبة الوجود
إلى الموجودات و بعبارة أخرى طريقيّة كلّ شيء و اعتباره ثبت بالعلم فلا
بدّ من أن يكونطريقا بذاته نظير الوجود للواجب و إن كان بينهما فرق في
الذّاتيّة لأنّ طريقيته بغيره محال ظاهر و طريقيته بدليل علمي مستلزم
للتّسلسل و بباليأنّه قد جرى ذكر ما ذكرنا في بعض كلمات الأساطين من أهل
المعقول فبعد ما فرض كون الطريقيّة لازما للعلم و واجباً له فلا يعقل نفيه
عنهو إلاّ لزم تخلّف الذّاتي و بعبارة أخرى الحكم بالعدم إنّما يتصوّر في
الممكن لا الواجب فلا يحتاج إذا للاستدلال لعدم قابليّة التّصرف نفيا
بلزومالتناقض هذا و ما عرفت من المسلّمات عند الأصحاب حتّى أنّه يظهر
تصريحا و تلويحا من كلمات الشّيخ في العدّة فراجع كلماتهم عند التكلّم في
الأدلّةالقطعيّة كالتواتر و الإجماع و دليل العقل حتّى القياس المفيد للقطع
فإنّها تنادي بأعلى صوتها أنّ كلامهم فيها إنّما هو في إثبات الصّغرى في
مقابلالمنكر لحصول القطع منها نعم
هنا شبهة لجمع من أصحابنا الأخباريّين في القطع الحاصل من المقدّمات
العقليّة ليست ناظرة إلى نفي ما ذكركما ستقف عليه إن شاء اللَّه تعالى فإن
شئت رفع الحجاب عن تمام وجه المرام فاستمع لما يتلى عليك في تحقيق المقام
بعبارة أخرى متأمّلا فيهاكمال التّأمل فنقول
إنّ اعتبار العلم بالنّسبة إلى الالتزام بالمعلوم و الأحكام المترتّبة على
متعلّقه مع قطع النّظر عن تعلّق العلم به كما هو المفروضلو كان جعليّا و
بإنشاء الشّارع بحيث لولاه لم يكن ثابتا له كما يزعمه القائل بالجعل و يقول
بمثله في الظّن فلا محالة لا بدّ أن يكون هناك قضيّتان إحداهما
ما ثبت الحكم فيه لذات الشّيء مع قطع النّظر عن تعلّق العلم و من غير
مدخليّة له فيه فثبوته النّفس الأمري تابع لتحقّق موضوعه في نفسالأمر من
غير مدخليّة للعلم أصلا فإذا علم المكلّف بثبوت مثل هذه القضيّة في الشّرع
في مورد من الموارد و علم بتحقّق موضوعها فيعلم بترتّبالمحمول قهراً
فيحمله عليه لا باختياره فبالنّسبة إلى هذه القضيّة و الحكم الثّابت فيها
لا يعقل أن يكون للعلم مدخل فيها بحيث لولاه لم يكن مترتّباو بعده يكون
مترتّبا بإيجاب موجب و إلاّ لزم الخلف كما هو واضح ثانيتهما
ما كان ثابتا للعلم بالشّيء من غير مدخليّة له إلاّ من حيث تعلّق
العلمبه و هي القضيّة الّتي يحكم فيها بوجوب العمل بالعلم و اعتباره و
حجيّته على تقدير إمكان الجعل فإنّ معنى جعل العلم طريقا و الحكم باعتباره و