بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٤٠
ما ذكره المحقّق القميّ قدّس سرّه في أجوبة مسائله من أنّه سأل عنه بعض
معاصريه من الحكماء المتبحّرين في الحكمة الإلهيّة و الطّبيعيّة في طيّ
مسائله عنهقدّس سرّه عن الواجب في ركعات الاحتياط من أنّه تسبيح أو فاتحة
الكتاب و أنّه كان عمله في برهة من الزّمان على التّسبيح من جهة فتوى
مشايخه في الحكمةبتعيين التّسبيح من باب الاحتياط حيث إنّ ركعات الاحتياط
بدل عن الأخيرتين و أنت إذا تأمّلت في هذا علمت أنّ مشايخه مع ادّعاء
فقاهتهم لم يراجعواكتب الفقهاء أصلا و لم ينظروا إلى ما ورد في الأخبار من
تعيين فاتحة الكتاب فقد شاهدنا من مزاول الحكمة أعظم من هذا قوله
قدّس سرّهلعدم حصول الظّن له منها إلى آخره(١)
أقول
هذا فيما كان مبنى اعتباره عند المستدلّ على الظّن الشّخصي كما إذا قيل
بحجيّة الأخبار بشرط حصول الظّن أوبحجيّة الأصول اللّفظية بهذا الشّرط كما
ذهب إليه جمع فيما سيأتي الإشارة إليه في باب حجيّة الأخبار و الظّواهر إن
شاء اللّه تعالى في قطع القطاع و ما يتعلق به
قوله
قدّس سرّهقد اشتهر في ألسنة المعاصرين إلى آخره(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّ إلغاء قطع القطاع بأيّ معنى أراده القائل به سواء كان
صحيحا أو سقيما إنّما هو بالنّسبةإلى ما لم يتعارف حصول القطع منه و إلاّ
فلو فرض حصول القطع له بشيء ممّا تعارف حصول القطع منه أي ممّا كان سببا
له عادة فلا إشكال في خروج هذاالفرض عن محلّ كلامه كما هو واضح فالحيثيّة
ملحوظة في إلغاء القطع كما هو الشّأن في كثير الشّك و الظّن فإنّ عدم
اعتبارهما و إلغاءهما إنّما هوفيما كان الشّاك و الظّان خارجا عن المتعارف و
بالنّسبة إليه خاصّة فإنّ كثرة الشّك بالنّسبة إلى فعل من أفعال الصّلاة
أو ركعة منها لا تستلزم كثرتهبالنّسبة إلى غيرهما و كذا حصول الظن ممّا لا
يفيده عادة أحيانا لا يوجب إلغاءه إذا حصل ممّا يفيده عادة ثمّ
لا يخفى عليك أنّ المراد بعدم اعتبارالشّك في كثير الشّك سواء كان
بالنّسبة إلى الأفعال أو الرّكعات إنّما هو بالنّسبة إلى ما يترتّب شرعا
على الشّك في باب الصّلاة ممّا يوجب الكلفةعلى المكلّف سواء كان في الأفعال
أو الرّكعات و إن كان على طبق الأصل لا مطلقا مثلا الشّك قبل الفراغ و قبل
الدّخول في الغير موجب في حكم الشّارعللإتيان بالمشكوك و بعده موجب في
حكمه بعدم الالتفات إلى الشّك فإذا كان كثير الشك في المحلّ فلا اعتبار
بشكّه و إذا كان كثير الشّك بعد المحلّفلا يلتفت إلى شكّه أيضا كما إذا لم
يكن كثير الشّك و كذا في الرّكعات سواء كان في الشّكوك المبطلة أو
الصّحيحة فإذا كان كثرة الشّك فيما يوجب البطلانفلا اعتبار بشكّه و كذا
إذا كان كثرة الشّك فيما يوجب الصّحة مع لزوم التّدارك يبني على ما ينفعه
من دون تدارك و هكذا و أمّا عدم الاعتبار بكثرةالظّن فالمراد به فيما
يترتّب حكم مخالف للأصل على وصف الظّن لا على سببه كما هو واضح و إلاّ لم
يكن كثير الظّن كما في باب الصّلاة فمعنى إلغائه الأخذبحكم الشّك و
المعاملة معه معاملته كما هو الشّأن في إلغاء الظّن و عدم اعتباره مطلقا من
غير فرق بين أن يكون الحكم في مورد الشّك البطلانكما في الثّنائية و
الثّلاثيّة و الأوليين من الرّباعيّة أو الصّحة مع التّدارك كما في
الأخيرتين من الرّباعيّة و بين أن يكون البناء على عدم وجود المشكوككالشّك
قبل الدّخول في غير المشكوك أو البناء على وجود المشكوك كالشّك بعد
الدّخول في غيره و الدّليل على الإلغاء في الظن الحاصل ممّا لا يفيدهعادة
الانصراف المدّعى في الدّليل الّذي أخذه في موضوع الحكم و أمّا إلغاء القطع
فيما إذا حصل ممّا لا يفيده عادة و عدم اعتباره فهل المراد منه
بالنّسبةإلى الحكم التّكليفي للقاطع فيما كان القطع طريقا كما استظهره
شيخنا الأستاذ العلاّمة قدّس سرّه من كلام فقيه عصره كاشف الغطاء طيّب
اللّه رمسهمن حيث إنّه أردف الحكم بإلغائه بإلغاء كثرة الشّك و الظّن
المفروض وجود الحكم الواقعي في موردهما و إن ترتّب حكم ظاهريّ عليهما أيضا فتدبّر
أو فيما كان القطع موضوعا أمّا بالنّسبة إلى قطع القاطع في حقّه كما ربما
يدّعى بالنّسبة إلى الثّنائية و الثّلاثية و الأوليين حسبما عرفت الكلام
فيهأو بالنّسبة غيره كما في قطع المجتهد بالنّسبة إلى العامي مثلا أو
بالنّسبة إلى الحكم الوضعي للقاطع بعد تبيّن الأمر و انكشاف الحال بعد
العمل بالنّسبةإلى القطع الطّريقي أو الموضوعي أو بالنّسبة إلى الحكم
التكليفي أو الموضوعي لغير القاطع بالنّسبة إلى القطع الطّريقي أو الموضوعي
فيما إذا التفت إلى حال القاطعو كون قطعه حاصلا ممّا لا يفيده عادة و
المراد من إلغائه بالنّسبة إلى القطع الطّريقي في حقّ القاطع بالنّسبة إلى
حكمه التّكليفي قبل الانكشاف على تقديرإمكانه و تعقله معاملة القاطع مع
قطعه معاملة غيره ممّن لم يحصل له القطع من سبب قطعه لا العمل بخلاف قطعه
ضرورة أنّ منشأ قطعه قد يكونمعتبرا في الشّرع و قد لا يكون معتبرا و يكون
مؤدّاه على طبق الأصل و بالنّسبة إلى القطع الموضوعي هو عدم ترتيب الحكم
الّذي أخذ العلم في موضوعهفيعامل معاملة غير القاطع كما هو واضح و
بالنّسبة إلى حكمه الوضعي هو الإعادة و القضاء بعد انكشاف الخطاء أو بعد
الالتفات إلى كونه قطّاعابعد العمل و لو لم ينكشف الخطاء كما في القطع
الموضوعي هذا و المراد من إلغائه بالنّسبة إلى غير القاطع هو التّسبيب لعدم
عمله بقطعه فيما إذا علم بخطائهأو مطلقا كما في القطع الموضوعي في حقّ
القطاع إمّا بإزالة قطعه و تنزيله إلى الشّك بتنبيهه إلى حال سببه و كونه
مريضا أو بردعه عن العمل به مع وجودهكما في القطع الموضوعي أو الطّريقي
بأن يقال له إن الشّارع لا يريد منك الواقع فيما لو كان غافلا عن علمه
بامتناع عدم إرادة الواقع منه حيث إنّ الرّدع علىالوجه المذكور يمتنع
صدوره عن الحكيم تعالى في حقّ العالم و لو كان جهلا مركّبا و يمكن صدوره عن
غيره بالشّرط المزبور و الفرق بينهما في كمال الوضوح أو بغيرذلك هذا ثمّ
إنّ إلغاءه بالنّسبة إلى الحكم التّكليفي في حقّ القاطع في القطع الطّريقي
بالمعنى الّذي عرفته فهو غير معقول لما عرفت مرارا من لزوم