بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٣٦
من الدّليل الإجمالي بهذا المعنى فالإجمال وصف للمقدّمات باعتبار عدم
تمايزها و انفصال بعضها عن الآخر في العقل و هو المكتفى به في
أصولالدّيانات كما عليه المحقّقون و هو المراد من أصحاب الجملة في كلام
شيخنا أبي جعفر الطّوسي قدّس اللّه نفسه الزّكيّة و طيّب تربته الشّريفة في
العدّة كماستقف عليه في بحث حجيّة الأخبار الّذين لا طريق لهم إلى المعرفة
إلاّ المجملات المركوزة في جبلّة نفوسهم بل يمكن أن يقال إنّ المعلوم
الحاصلة للخواصّأيضا قد حصلت غالبا في ابتداء الأمر من هذا الدّليل
الإجمالي و إن حصل لهم التمكّن من إقامة البرهان و الدّليل التّفصيلي بعد
بلوغهم مقامالعلم و الاطّلاع على قوانين البرهان و شرائطه و ترتيب
الطّبيعي بين مقدّماته هذا و قد يقال
إنّ المراد من أصحاب الجملة في كلام الشّيخ قدس سرهمن حصل لهم المعرفة
بالإدراك البسيط الحاصل لكلّ أحد في أصل فطرته في مقابل الإدراك المركّب و
هو المعرفة الحاصلة بالاستدلال كما يحصلللعقلاء المتفكّرين في الصّفات و
الآثار فهي ليست ممّا يحصل للجميع و عليه مدار التّفاضل بين العلماء و
المراتب بين النّاس و قد قيل في نظم الفرس^دانش حق ذوات را فطريست
دانش ذاتش است كان فكريست
هذا و عليه يحمل ما ورد من الأخبار و الآثار الّتي ادّعي دلالتها على
كونمعرفة اللّه تعالى فطريّة فإن مجرّد عرفان الرّب بالإدراك البسيط
الفطري المركوز في نفوس الحيوانات فضلا عن الإنسان بمعنى العلم بأنّ
للمربوب ربّالا ينكر كونه أمرا قهريّا فلا يتعلّق به التكليف إلاّ أنّ
المراد من المعرفة المأمور بها في الآيات و الأخبار الّتي تكون غاية للخلق
مرتبة أعلى منهاغير حاصلة قهرا بالقطع و اليقين فإنّ المكتفى به من معرفة
الرّب كما ستقف على تفصيل القول فيه في العقائد العلم بأنّه واجب الوجود
لذاته و بصفاتهالثّبوتيّة و السّلبيّة و من الواضح أنّ معرفة الرّب بهذا
المعنى ليست فطريّة قطعا هذا مضافا إلى أنّ المعتبر في الأصول ليس عرفان
الرّب جلّ اسمهفقط بل عرفان النّبي صلّى اللّه عليه و آله و غيره ممّا
يعتبر في أصول الدّيانات و دعوى كون جميع ذلك فطريّا قهريّا كما ترى
فالواجب أوّلا المعرفة ثمّالإقرار و الشّهادة هذا كلّه مضافا إلى أن
النّزاع في تعيين أوّل الواجبات قليل الجدوى كما لا يخفى قوله
فليت شعري إذا فرض إلخ(١)
أقول
العجبكلّ العجب ممّا ذكره هؤلاء المشايخ من أصحابنا الأخباريّين من فرض
التّعارض إذ هو أفحش من القول بعدم حجيّة القطع الحاصل من
المقدّماتالعقليّة ضرورة امتناع حصول القطع بالمتنافيين كالقطع بأحدهما و
الظّن بالآخر و الظّن بهما فعلا اللهمّ إلاّ أن يكون المراد تقابل
السّببينلا الوصفين فيخرج عن محلّ الفرض في بيان المراد من العقل الفطري
قوله
قدّس سرّه إلاّ أنّه صرّح بحجّية العقل الفطري إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّ المراد من العقل الفطري فيكلامه و كلام غيره هو أوّل
البديهيّات و أبدهها بحيث يكون مركوزا في النّفوس و الجبلّة الإنسانيّة فلا
يخلو عاقل عنه بالنّظر إلى فطريّة و قد عرفتأنّ حجيّة مطلق البديهي ليس
محلاّ للإنكار عند غيره من الأخباريّين فضلا عن الفطري الخالي عن شوائب
الأوهام بل المستفاد من كلامه المحكي في الكتابصريحا هو حجيّة مطلق
البديهي عند عدم التّعارض فيوافق من تقدم فلا كلام عندهم في حجيّة البديهي
بأقسام بل قد يقال إنّ مقتضى إطلاقكلامه حجيّة العقل النّظري أيضا عند عدم
التّعارض قوله
قدّس سرّه نعم يبقى الكلام(٣)
أقول
كما في الأمور الاعتقاديّة الغير المتوقّفة على التوقيفمن صاحب الشّرع سواء كانت من الأصول الاعتقاديّة أو الأخلاق أو غيرهما قوله
قدس سره و العجب ممّا ذكره إلخ(٤)
أقول
ما أفاده قدّس سرّه إنّماهو مع الإغماض عمّا يرد على هؤلاء من عدم إمكان
التّعارض بين القطعين على ما عرفت سابقا و ظاهره كما ترى الاعتراض من وجهين
أحدهما
عدم إمكان التّرجيح بين القطعين مع إمكان فرض التّعارض ثانيهما
عدم الدّليل على التّرجيح المذكور على تقدير الإمكان و لمّا كان بناؤهم في
بابالتّعارض التّرجيح بخصوص ما ورد التّرجيح به في الشّرع فلا محالة
يتوجّه عليهم مطالبة الدّليل على التّرجيح المذكور فإذا لم يكن هناك دليل
عليه كماهو واضح فلا معنى للتّرجيح و أمّا عدم تصوّر التّرجيح فربما يناقش
فيه على تقدير تسليم إمكان التّعارض و الإغماض عمّا ذكره سابقا من عدم
إمكانهضرورة أنّه يمكن التّرجيح بما ذكره و غيره مثل التّرجيح بالقوة و
الضّعف لاختلاف مراتب القطع في الضّروريات و النّظريات جدّ أو من هنا قد
يحمل كلامه هذاعلى عدم إمكان التّرجيح من جهة عدم إمكان التّعارض و أمّا
حمل كلام المحدّث على إرادة مطلق التّقديم من التّرجيح و لو لم يكن المرجوح
حجّة عند التّعارضلعدم مساعدة دليل اعتباره عليه لا التّرجيح المذكور في
باب تعارض الأدلّة فيقال في وجه التّرجيح عند تعارض العقل الغير المؤيّد
بالنّقلمع النّقل أنّ دليل اعتبار العقل لا يساعد عليه في مقابل النّقل و
إنّما يدلّ على اعتباره فيما لم يكن هناك نقل على خلافه و في وجه ترجيح
العقلالمؤيّد على العقل الغير المؤيّد أنه ليس من باب التّرجيح بل من جهة
سقوط العقل المقابل بالنّقل فيعود العقل المؤيّد سليما فيتوجّه المناقشة
على الاعتراضالثّاني كالاعتراض الأوّل ففاسد جدّا إذ مع كونه خلاف ظاهر
التّرجيح لا ينفع فيما لو تعارض العقل المؤيّد مع النّقل كما هو واضح
اللّهمّ إلاّ أن يلتزمبسقوط النّقلين المتعارضين و الرّجوع إلى العقل
لسلامته عن المعارض فافهم قوله
قدّس سرّه و أعجب من ذلك إلخ(٥)
أقول
لعلّ الوجه فيالاستشكال في تعارض العقليّين من دون تأييد أحدهما بالنّقل
الإشكال في شمول دليل الحجيّة صورة تعارض خصوص تعارض العقليّين و
إطلاقهلها و هذا مع الإغماض عن جميع ما يرد عليهم في المقام و التّسالم
على ما زعموا لا سترة فيه إذ التّساقط مبنيّ على القطع بعدم الشّمول و منه
ينقدح