بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٣١
إلى أنّ تحصيل المعارف و المطالب بالرّياضات و التّصفية و المكاشفات ممّا
لا معنى له بل لا بدّ من سلوك طريق الاستدلال و الوقوف على حقيقةالأشياء
بالبرهان و ذكروا في وجه تسميتهم بالمشائين أمورا مثل أنّ بناء المعلّم كان
على التّدريس حين مشيه ذهابا إلى خدمة الإسكندر و إيابامنها و مثل أنّ
بناءهم كان على التّعلم و المشي إلى منزل الأستاذ إلى غير ذلك و الثّانية
ذهبوا إلى أنّ الوقوف على حقيقة الأشياء بالبرهان ممّا لا معنى لهبل لا
بدّ من الوصول إليها بطريق المكاشفة و تصفية الباطن حتّى يصير محلاّ للفيض و
قابلا له و من هنا ذكر بعضهم(پاى استدلاليان چوبين بود)و للفريقين
اختلافات كثيرة في مسائل شتّى منها مسألة تركب الجسم عن الهيولى و الصّورة و
عدم تركّبه منهما فذهب الطّائفة الأولى إلى تركّبه عنهماو الثّانية إلى
عدم تركّبه عنهما و إن اتّفقوا على أصل ثبوت الهيولى و تركّب الجسم في
الجملة كما عن أكثرهم إلاّ أنّهم اختلفوا في تركّب الجسم عن خصوص الهيولىو
توضيح القول فيه بحيث يحصل بصيرة في الجملة يتوقّف على بعض التكلّم في
معنى الهيولى و الصّورة و الجسم و ذكر بعض كلماتهم و لا بأس بالتّعرض له و
إن كان خارجاعن الفنّ و لم يكن من شأن من كان مثلي في قلّة البصيرة و
البضاعة في العلم إلا أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور و ما لا يدرك كلّه لا
يترك كلّه مضافاإلى سؤال بعض الإخوان الّذي لا يسعني ردّ مسألته تحقيق متعلق بتبيين معنى الهيولي
فنقول
أمّا الجسم فهو على قسمين طبيعيّ و تعليميّ و المقصود بالكلام هو الجسم
الطّبيعي و أمّا التّعليميفلم يتوهّم أحد تركّبه من الهيولى و غيرها و
إنّما هو أمر يعرض الجسم الطّبيعي عند جماعة الحكماء و لهذا عرّفوه بأنّه
الكمّ المتّصل الّذي له الأبعاد الثّلاثةالمتقاطعة على زوايا القوائم مع
تعيّن امتداداته كما عزي إلى المحققين إلى غير ذلك ممّا قالوا في رسمه و
أمّا الجسم الطّبيعي فعرّفوه بأنّه جوهر يمكن فيهفرض أبعاد ثلاثة متقاطعة
على زوايا قائمة فهو من أحد أقسام الجواهر أعني العقل و النّفس و الجسم و
المادّة و الصّورة و أمّا الهيولى فعرّفوهابأنّها جوهر ليس في نفسه واجد
للاتّصال و الانفصال يحتاج إليها الصّورة الجسميّة الّتي هي الممتدّ
الجوهري في تشخّصها على ما ذهب إليه جماعة منالمحقّقين و لا نزاع عند أكثر
المحقّقين و جمهورهم في ثبوت هذا المعنى على ما عرفت و صرّح به جماعة من
أجلّة الحكماء و أساطينهم أي في ثبوت مايصدق عليه مفهوم الهيولى و مسمّاها
إلى أمر يقبل الانفصال و الاتّصال اللّذين يطرءان في الحسّ على أنواع
الأجسام المحسوسة من حيث هي أجسامو يقبل الهيئات النّطفيّة و الحيوانيّة و
الطّينيّة و الرّمادية و غير ذلك و هي المسمّى بالمادّة أو الهيولى على
اختلاف العبارات في التعبير عنها و وجودهاعلى حسب هذا المفهوم أمر مسلّم لا
نزاع فيه بل ممّا لا معنى للنّزاع فيه فإنّه إذا قيل يكون الحيوان من
الطّين أو خلق الابن من نطفة أبيه فلا يخلو إمّاأن يكون الطّين باقيا طينا و
النّطفة باقية نطفة و هو حيوان و إنسان حتّى يكون في حالة واحدة طينا و
حيوانا و نطفة و إنسانا فهو محال و إمّاأن بطلت النّطفة بكلّيتها حتّى لم
يبق منها شيء أصلا و كذا الطّين ثمّ حصل إنسان و حيوان فحينئذ ما صارت
النّطفة إنسانا و ما خلق الحيوان من الطّينبل ذلك شيء بطل و انعدم
بكلّيته و هذا شيء آخر حصل جديدا بكلّيته و جميع أجزائه و أمّا أن يكون
الجوهر الّذي كانت فيه الهيئة النّطفية و الطّينيّةبطلت عنه تلك الهيئة و
حصلت فيه هيئة إنسان أو هيئة حيوان و القسمان الأوّلان باطلان بحيث لا
يعتقدهما جاهل لأنّ كلّ من زرع بذرالينبت شيء منه أو تزوّج ليكون له ولد
يحكم على الزّرع بأنّه من بذره و يفرق بين ولده و غيره بأنّه من مائه و إن
عانده معاند لا يلتفت إليه و يكذّبهالحدس الصّائب فظهر من ذلك كلّه أنّ
الهيولى من حيث المفهوم المذكور ما وقع فيها خلاف إنمّا النّزاع في أنّ ذلك
الأمر له أجزاء لا يتجزّى أو ما فيحكمها كما ذهب إليه المتكلّمون أو
أجسام صغار صلبة لا يمكن انقسامها في الخارج و إن كانت منقسمة في الذّهن
بخلاف الأجزاء الّتي لا يتجزّى كما هو مذهبذي مقراطيس أو نفس الجسم بما هو
جسم كما هو رأي جماعة من الأقدميّين أو أمر أبسط من الجسم و جزء له كما
عليه المعتبرون من المشّائين و إلى ما ذكرنا يرجعتعريفها كما عن بعض
بأنّها ما يكون الشّيء شيئا بها بالقوّة و أمّا الصّورة فهي جوهر يكون
الشّيء شيئا بها بالفعل و هي كما ترى غير ما يطرأ على الأجساممن الأشكال و
الأبعاد و إن أطلق عليها الصّورة في إطلاق إلا أنّ المراد بها في المقام
غير هذا الإطلاق كيف و قد عرفت أنّ تلك من أقسام الجواهر و هذهمن مقولة
العرض و هذا أمر ظاهر لا سترة فيه عند من له أدنى خبرة ثمّ
إنّ الأصحاب كلّ من القول بتركّب الجسم عن الهيولى و الصّورة و عدم
تركّبهعنهما حججا كثيرة مذكورة في محلّها إحداها ما أشار إليه المحدّث
الأمين الأسترآبادي في فوائد المدنيّة من برهان الفصل و الوصل و حاصلهبعد
تلخيصه عن الزّوائد أنّ الجسم متّصل في ذاته بعد بطلان تركّبه من الجزء
الّذي لا يتجزّى و من الأجرام الصّغار الصّلبة الذّيمقراطيسيّة و لا
ريبأنّ هذا الجوهر المتّصل في ذاته الّذي كان بلا مفصل إذا طرأ عليه
الانفصال انعدم و حدث هناك جوهران متّصلان في ذاتيهما فلا بدّ هناكمن شيء
آخر مشترك بين المتّصل الأوّل و بين هذين المتّصلين و لا بدّ أن يكون ذلك
الشّيء باقيا في الحالتين و إلاّ لكان تفريق الجسم إلى جسمين إعداماللجسم
بالكلّية و إيجادا لجسمين آخرين من كتم العدم و الضّرورة تقتضي ببطلانه قوله
و في أنّ الشّخص الأوّل باق و إنّما انعدمت صفة من صفاته إلى آخره(١)
أقول
ما ذكره إشارة إلى بحث محكيّ عن شيخ الإشراقيّين مع جملة من أبحاث أخر و
حاصله أنّ بناء برهان الفصل و الوصل على ثبوت الاتّصالالّذي هو بمعنى
الممتدّ الجوهري و نحن لا نسلم في الجسم الاتّصال الّذي هو من فصول الكم و
ما سواه ممنوع و ما قيل إنّك إذا شكّلت الشّمعة بأشكال مختلفة