بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٨٤
و التخلّي عن الثّانية فريضة شرعيّة في الجملة و واجبة خلقيّة مطلقا و عدالتها كناية عن توسيطها بين طرفي الإفراط و التّفريط و بالسّنة القائمةشرائع الأحكام و مسائل الحلال و الحرام و انحصار العلوم الدّينيّة في الثّلاثة و كون ما سواها فضلا أو فضولا واضح على ما عرفت من الوجهفي المعاني الثّلاثةقوله قدس سره و في وجوب الزّائد على ذلك من عصمتهم الوجهان(١)أقول المراد من العصمة في كلامه ما ذكره قبل ذلك فيالنّبوة من العصمة بالملكة من زمان تولّدهم صلوات اللّه عليهم إلى زمان ارتحالهم عن النّشأة الدّنيويّة عمّا يكون عصيانا في حقّ المكلّفينو الخطاء و النّسيان و السّهو الّتي قد عرفت أنّه لا إشكال في ثبوت العصمة عنها عند الإماميّة لا العصمة في الجملة فإنّه لا إشكال في اعتبارها في الإيمان بالمعنى الأخصّكما يحكم بثبوتها ضرورة العقل فإنّ الحجّة من اللّه تعالى على الخلق و شاهده عليهم و الدّليل لهم كيف يمكن أن يكون غير معصوم و إلاّ لزم التّرجيحمن غير مرجّح إذ لا يبقى بعد عدم اعتبار العصمة مزيّة للحجّة على الرّعيّة فافهمقوله قدس سره و قد ورد في بعض الأخبار تفسير معرفة حق الإمامإلخ(٢)أقول روى في محكيّ الكافي في باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام بسنده عن إسماعيل بن جابر قال قلت لأبي جعفر عليه السلام أعرض عليك دين اللّه عزّ و جلّقال فقال هات فقلت أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و الأبرار بما جاء به من عند اللّه و أنّ عليّا كانإماما فرض اللّه طاعته ثمّ كان من بعده الحسن إماما فرض اللّه طاعته ثمّ كان من بعده الحسين إماما فرض اللّه طاعته ثمّ كان عليّ بنالحسين إماما فرض اللّه طاعته بعدهم حتّى انتهى الأمر إليه ثمّ قلت أنت يرحمك اللّه قال فقال عليه السلام هذا دين اللّه و دين ملائكته في كيفيّة وجوب التّصديق بما جاء به النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و وقوع الكلام فيها في موضعين قوله قدس سرهو يكفي في التّصديق بما جاء به النّبي صلى اللَّه عليه و آله إلخ(٣)أقول الكلام في المقام يقع في موضعين أحدهما في أنّه بعد العلم بثبوت شيء من النّبي تفصيلاسواء حصل العلم من التّواتر أو خبر الواحد المحفوف بالقرينة القطعيّة أو الإجماع أو الضّرورة الدّينيّة سواء كان من الأصول مطلقا أو الفروعمن الأحكام الواقعيّة أو الظّاهريّة فهل يجب على العالم به الإقرار به و التّصديق به و يكون إنكاره كفرا في حقّ العالم به أم لا ثانيهما في أنّه إذاثبت شيء من النّبي صلى اللَّه عليه و آله في الدّين من الضّرورة أو التّواتر أو غيرهما فهل يجب على كلّ مكلّف الإقرار به و تصديقه و يكون إنكاره كفرا و لو في حقّالجاهل به مطلقا و إذا ثبت من النّبي صلى اللَّه عليه و آله بطريق الضّرورة أو لا يكون كذلك أمّا الكلام في الموضع الأوّل فملخّصه أنّه لا إشكال في لزوم التّصديقو التّديّن بكلّ ما علم ثبوته من النّبي صلى اللَّه عليه و آله في حقّ العالم به مطلقا لأنّه من فروع تصديق النّبي صلى اللَّه عليه و آله فيكون إنكار العالم به كفرا و هذا ممّا لم يخالف فيهأحد بل لا يعقل الخلاف فيه لأنّه إنكار للنّبوّة و أمّا الموضع الثّاني فالّذي يقتضيه التّحقيق و عليه المحقّقون و يستفاد من كلام شيخناالأستاذ العلاّمة قدس سره عدم لزوم التّصديق و الإقرار بما ثبت عن النّبي صلى اللَّه عليه و آله في حقّ الجاهل به بمعنى الحكم بكفره مع عدم الإقرار أو الإنكار بالنّسبةإلى غير المعاد الجسماني الّذي هو أصل مستقلّ عندهم كالتّوحيد بل الكلّ بالنّسبة إلى غير إنكار الضّروري بل لا معنى عند التّأمّل للقول بالكليّةالمذكورة و أنّ كلّ غير مقرّر بما ثبت عن النّبي صلى اللَّه عليه و آله واقعا أو منكر له و لو مع العلم بخلافه يحكم بكفره نعم كلماتهم في مسألة خصوص إنكار الضّروريمضطربة من حيث إنّ له سببيّة و موضوعيّة في الحكم بكفر منكره أو طريقيّة من حيث أدائه إلى إنكار النّبوة و من هنا اعتبر غير واحد بل الأكثرعدم احتمال الشّبهة في حقّ المنكر فيكون الحكم بالكفر عندهم من حيث إنّ الضّرورة طريق لعلمنا إلى علم المنكر حقيقة و هذا هو الفارق بين الضّروريو غيره ممّا ثبت من النّبي صلى اللَّه عليه و آله و من هنا يحكم بإيجاب إنكار ضروري المذهب لكفر منكره إذا كان من أهل المذهب لا مطلقا و الحقّ ما عرفت من أنّ الحكمبالكفر حتّى بالنّسبة إلى الضّروري في غير المعاد مشروط بالعلم و أمّا مع الشّك و الجهل البسيط فضلا عن المركّب فلا يجب الالتزام و التّديّنتكليفا بل لا يجوز و لا يؤثر بحسب الحكم الوضعي أيضا بمعنى أنّه لا يحكم بكفر غير المستلزم بما ثبت عن النّبي صلى اللَّه عليه و آله و لو في الضّروريات مع علمنا بشكّه وجهله بل لا يضرّ إنكاره مع الالتزام الإجمالي بما جاء به النّبي صلى اللَّه عليه و آله و إن كان ظاهر بعض الأخبار إيجاب الجحود للكفر مطلقا لكنّه محمول على الإهمالبقرينة الأخبار سيّما ما ذكره في الكتاب فإنّ المراد من الإقرار بما جاء به على ما عرفت هو الإقرار الإجمالي أو التّفصيلي بعد العلم بما جاء به و هذامعنى ما أفاده قدس سره في الكتاب بقوله و أمّا التّدين بسائر الضّروريّات ففي اشتراطه أو كفاية عدم إنكارها أو عدم اشتراطه أيضا فلايضرّ إنكارها إلاّ مع العلم بكونها من الدّين وجوه أقواها الأخير ثمّ الأوسط و غلط بعض النّسخ بإسقاط كلمة الاستثناء أوقع غير واحدفي حيص و بيص بل إساءة الأدب مع وضوح الغلط و السّقط فإنّه إذا لم يوجب إنكار الضّروري مع العلم بكونه عن النّبي صلى اللَّه عليه و آله الكفر فأيّ شيء يوجبهو هذا لا يظنّ صدوره عن جاهل فضلا عن مثله قدس سره الّذي صرف عمره في علم الشّريعة مع ما عليه من التفرّد في دقّة النّظر و استقامة الرّأيو الاطّلاع على فتاوى الفقهاء رضوان اللّه عليهم في عصره فجزاه اللّه عن الإسلام خيرا و حشره في حظيرة قدسه مع نبيّه و آله الطّيبين الطّاهرينسلام اللّه عليهم أجمعين ثمّ إنّه يدلّ على ثبوت الواسطة مضافا إلى ما رواه في الكتاب و كون الكفر مترتّبا على الجحود و الإنكار كثير من الأخبارالبالغة حدّ الاستفاضة ففي الكافي في باب فرض طاعة الأئمّة عليهم السلام أنّ أبا عبد اللّه عليه السلام يقول نحن الّذين فرض اللّه طاعتنا لا يسع النّاس إلاّ معرفتنا