بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٨٠
الإجماليّة هذا مضافا إلى ما عرفت من أنّ دلالته على وجوب تحصيل التّفاصيل بالنّسبة إلى معرفة اللّه تعالى لا يثبت الكليّة و أمّا آية الإنذارو التّفقّه في الدّين و ما يساوقها فلا دلالة لها على المدّعى أصلا فإنّ حملها على الوجوب العيني كما هو المدّعى مضافا إلى منافاته لظاهرها بل صريحهاخلاف ما اتّفق عليه الكلّ من الاستدلال بها على الوجوب الكفائي في وجوه الرّد على من توهّم كون الاشتغال بعلم المعرفة أهمّ من الاشتغال بالفروع هذا مضافا إلى أنّ شمول آيات التّفقه و أخباره للفروع مسلّم مفروغ عنه ولم يقل أحد بوجوب المعرفة العينيّة على كلّ مكلّف بالنّسبة إلى الفروع اللّهمّ إلاّ على تقدير حمل التّفقّه على ما يشمل التّقليد و هو خلاف المدّعىكما لا يخفى و أمّا ما دلّ من الآيات و الأخبار على طلب العلم أو كونه فريضة على كلّ مكلّف فلا بدّ من أن يحمل على الوجوب الكفائي أو المهملة أو يلتزمبإخراج الفروع عنه بل غير الأصول فإنّ العلم لا اختصاص له بخصوص الأحكام الشّرعيّة ضرورة شموله لغيرها اللّهمّ إلاّ أن يستظهر إرادةخصوص العلوم الشّرعيّة بقرينة تعلّق الأمر به من الشّارع إلى غير ذلك من المحامل المنافية للمدّعى كما لا يخفى و من هنا ذكر المطلب في الكتابعلى سبيل الاحتمال و الإمكان لا على سبيل الجزم و الظّهور مضافا إلى ما أفاده في ردّ توهّم من زعم كون الاشتغال بالعلم المتكفّل لمعرفة اللّه تعالىو معرفة أوليائه صلى اللَّه عليه و آله أهمّ من الاشتغال بعلم المسائل العمليّة بل كونه متعيّنا من حيث إنّ العمل يصحّ عن تقليد فلا يكون الاشتغال بعلمه إلاّ كفائيّاو هذا بخلاف المسائل الاعتقاديّة بقوله قدس سره و لكن الإنصاف عمّن جانب الاعتساف يقتضي الإذعان بعدم التّمكّن من ذلك إلاّ للأوحديمن النّاس إلى آخر ما أفاده و المستفاد منه و ممّا أفاده في مجلس البحث في ردّ التّوهم المذكور يرجع إلى وجوه أحدها عدم إمكان الاجتهاد وتحصيل المعرفة في تفاصيل الأصول من دون تحصيل ملكة الاجتهاد في الفروع لأنّ أكثر التّفاصيل إن لم يكن كلّها تثبت إمّا بالنّقل محضا و إمّابالنّقل بضميمة العقل و معلوم أنّ الشّخص إن قدر على تحصيل الحكم من الدّليل النّقلي فلا معنى للفرق بين الحكمين فهو قادر على تحصيل الحكم الفرعيأيضا و إن لم يقدر عليه فلا فرق بينهما أيضا فإنّ فهم الحكم من الآيات و الأخبار و دفع معارضاتها بالتّرجيح أو بغيره مشترك بين الحكمينبل ربما كان استفادة الحكم الأصولي محتاجة إلى مزيد قوّة لئلاّ يأخذ بالنّقل المخالف لحكم العقل فالقول بأنّه لا يجوز الاشتغال بتحصيل ملكةالاستنباط في الفروع إلاّ بعد الاجتهاد في تفاصيل المعارف فاسد جدّ العدم تعقّل الانفكاك و هذا معنى قوله في الكتاب و مثلهذا الشّخص مجتهد في الفروع قطعا ثانيها تسليم الانفكاك لكن نقول إنّ في زماننا و أشباهه لا يمكن تحصيل تفاصيل المعارفلأنّ الآيات و الأخبار الواردة فيها الّتي يمكن استفادتها منها ظنيّة أو متعارضة فلا يجوز التّعويل عليها بناء على ما عرفت تفصيل القولفيه من عدم اعتبار الظّن مطلقا في العقائد ثالثها أنّه على تقدير إمكان الانفكاك إمّا مطلقا أو فيما كان الدّال على الحكم الأصولي المفصّلالعقل فقط و إمكان تحصيل العلم من الآيات و الأخبار أو نقول بحجيّة الظّن الحاصل منها بالنّسبة إلى الأصول كالفروع على ما زعم نقولإنّه لا دليل على تعيّن الاجتهاد في الأصول في حقّ من يقدر على الاجتهاد فيهما على ما هو المفروض فإنّ الاجتهاد في الفروع و إن كان لهبدل بالنّسبة إلى العمل حسبما ذكره المتوهّم إلاّ أنّه لا بدل له بالنّسبة إلى الإفتاء و الحكم و سائر ما يحتاج إليه النّاس من تصرّفات المجتهد والقول بأنّه يكفي وجود جمع من المجتهدين لرفع جميع الحوائج لجميع من في البلاد و القرى شطط من الكلام لأنّ أهل كلّ بلدة يحتاجون إلى جمع منالمجتهدين و أكثر القرى يحتاج إلى مجتهد هذا كلّه إذا لم نقل بوجوب الاجتهاد عينا على من يجد في نفسه القوّة القريبة و إلاّ كما اختارهشيخنا قدس سره نظرا إلى توقّف بقاء هذا النّوع الّذي يرفع به حوائج النّاس على اشتغال هذا النّوع دائما في كلّ زمان و عصر بل و أدون منهفالأمر أوضح لأنّه يجب على القادرين الاشتغال بالتّحصيل عينا لئلاّ يخلو الزّمان من المجتهدين ممّن به الكفاية في زمان فوت الموجودينفي إمكان المناقشة في الوجوه المذكورة نعم لو فرض حصول القطع لشخص بوجود من به الكفاية في كلّ زمان بحيث لا يحتاج إليه أصلا حكم بوجوب تحصيل تفاصيل المعارف الحقّة في حقّه على ما ذكرهالمتوهّم لكن هذا مجرّد فرض غير واقع سيّما في أمثال زماننا هذا كلّه مضافا إلى أنّ العمل المبتني على التّقليد و عدم المعرفة بالأحكام الإلهيّةربما يمنع من حصول المعارف الحقّة كما أشار إليه قدس سره في الكتاب هذا و لكن يمكن المناقشة فيما أفاده أمّا في الوجه الأوّل الرّاجع إلى عدمالتّفكيك بين الاجتهادين فبأنّ علم الأصول و الفروع متغايران لا دخل لأحدهما بالآخر و مجرّد كون مدرك تفاصيل المعارف الكتاب و السّنةلا يوجب كون القادر على تحصيلها منهما من جهة كثرة مزاولته بالمسائل الأصوليّة قادرا على الاجتهاد في الفروع كيف و استنباط الفروعمنهما يحتاج مضافا إلى معرفة الألفاظ و أحكام التّعارض إلى ممارسة تامّة و الأنس بالفروع و الاطّلاع على الفتاوى و غير ذلك هذا علىالقول بعدم إمكان التّجزي في الفروع و إلاّ فالأمر أوضح فإنّه إذا أمكن التّجزي في الفروع كان التّجزي بين العلمين أولى بالإمكان كما هو واضحو أمّا في الوجه الثّاني فبأنّ منع حصول المعرفة من الدّليل النّقلي و لو بواسطة العقل على سبيل الكليّة خلاف الإنصاف بل خلاف الفرضو أمّا في الوجه الثّالث فبأنّ الكفاية و إن لم يحصل بمجتهد واحد في الفروع لمسيس الحاجة إلى أزيد منه على القول بعدم جواز قضاء