بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٨
إذا التقى المسلمان بسيفهما الحديث على ما ذكر مع أنّه صريح بخلافه كما لا يخفى نعم
في دلالة جملة من الآيات و الأخبار المستدلّ بها على الحرمةمناقشة واضحة فراجع و هاهنا
شيء ينبغي التّنبيه عليه و هو أنّه قد يستدلّ على حرمة التّجري بقول مطلق
بما ورد في الأدعية الكثيرة من طلبالعفو عنه فإنّها مشحونة بالاستعفاء عن
التّجري فيجعل هذا كاشفا عن حرمة التّجري عند الشّارع و لو لم يحكم به
العقل فهذا مسلك آخر في الحكمبحرمته لا دخل له بحكم العقل حتّى يقال إنّ
المذمّة العقليّة إنّما ترجع إلى الفاعل لا إلى الفعل هذا و لكن يمكن
الجواب عن الاستدلال بهذا الدّليلبأنّه لم يظهر من الأدعية المشتملة على
طلب العفو عن التّجري كون التّجري من حيث هو هو حتّى فيما لم يطابق المعصية
مقصودا لطلب العفو بل الظّاهرمنها طلب العفو عمّا يكون مطابقا للمعصية
بحيث يرجع طلب العفو إلى طلبه عنها حقيقة لا عنه فتأمّل
كما أنّه قد يستدلّ على حرمته أيضابما أورده شيخنا دام ظلّه في هامشه من
الرّواية الواردة في الرّجلين النّاظرين إلى الفجر حيث إنّ حكمه عليه
السلام بحرمة الإفطار على الّذي زعم طلوع الفجربقول مطلق من غير تقييد
بصورة مطابقة الاعتقاد للواقع يكشف عن حرمة التّجري فتأمّل
اللّهم إلاّ أن يقال بأنّ للعلم موضوعيّة فيمسألة الصّوم كما يظهر من
الآية الشّريفة المرخّصة للأكل إلى غاية التّبيّن فجواز الأكل في حقّ من لم
ير الفجر حكم واقعي كما أنّ عدم الجواز في حقّ الرائيأيضا واقعي إلاّ أن
يقال إن أخذ التّبيّن من جهة الطّريقيّة لا الموضوعيّة و إلاّ لم يكن فرق
في القضاء عند كشف وقوع الإفطار في النّهار ممّنأفطر شاكّا بطلوع الفجر
بين الفحص و عدمه فتدبّر في بيان أقسام التجري موضوعا و حكما
قوله
ثمّ إنّ التجري على أقسام إلخ(١)
أقول
لا يخفى عليك أنّه قد علم من كلامه دام ظلّه بعضالأقسام السّتة و هي
الثّلاثة الأول و أمّا الثّلاثة الأخيرة فلما لم تعلم منه فأراد بيانها
موضوعا و حكما بهذا الكلام ثمّ
إنّه لا بدّ من أن يجعلالمراد من الاحتمال الأعمّ من الظّن و الشّكّ و
الوهم حتّى يشمل الأوّلين أيضا و إلاّ فالأقسام تزيد على ما ذكره دام ظلّه
بكثير كما لا يخفى على الفطن ثمّ
إنّه لا إشكال فيما ذكره دام ظلّه بقوله و يشترط في صدق التّجري إلخ ضرورة
أنّ مع كون الجهل عذرا إمّا بحكم العقل أو النّقل لم يكن هناك احتمال
المعصيةحتّى يتحقق فيه التّجري لما قد عرفت مرارا أنّ المعصية و احتمالها
لا يتحقّق إلاّ مع تنجّز الخطاب و إلاّ لم يتحقّق احتمال المعصية قطعا و إن
تحقّق احتمال المخالفةللخطاب النّفس الأمري إلا أنّه بنفسه لا يتنجّز على
المكلّف ما لم يتحقّق العلم به أو ما يقوم مقام العلم نعم
فيما لا يكون الجهل عذرا مطلقا لم يكن إشكالفي تحقّق التّجري بأيّ نحو
أقدم بالفعل كما في موارد تنجّز الخطاب بالعلم الإجمالي مثل الشّبهة
المحصورة الوجوبيّة أو التحريميّة مع وجود شرط تنجّز الخطاب فيهاو كما في
الشّبهة الابتدائية قبل الفحص في الشّبهة الحكميّة فما ذكره دام ظلّه من
المثال فإنّما هو مثال للنّفي على ما يقتضيه المقام لا للمنفيّ كما ربما
توهممن العبادة في بادي النّظر ثمّ
إنّه قد سلك دام ظلّه هذا المسلك من الحكم بتعميم التّجري للشّك في الجملة
في غير موضع من الكتاب إلاّ أنّه صرّح فيأواخر أصالة البراءة بعدم تحقّق
التّجري في حقّ الشّاك المقصّر الّذي ترك الفحص و لم يأخذ بالطّريق الشّرعي
و ما ذكره هنا من الحكم بالتّعميم هو الصّوابالّذي لا محيص عنه كما هو
واضح قوله
و كلاهما تحكّم و تخرّص على الغيب إلخ(٢)
أقول
أمّا كون الحكم بكون المتجريّ مستحقّا للعقاب المتوسّط بين الصّغيرةو
الكبيرة تحكّما و تخرّصا على الغيب فممّا لا شبهة فيه و أمّا كون الحكم
بفسقه تحكّما و تخرّصا على الغيب فقد يقال إنّه ممّا لا يظهر له وجه بل
الوجه هوالحكم بكونه فاسقا إذا كان التّجري على ارتكاب ما يوجب الفسق و إن
قلنا بعدم استحقاقه للعقاب أصلا نظرا إلى كشفه عن عدم وجود الملكة الرّادعة
له بناءعلى كون الفسق نقيضا للعدالة بمعنى الملكة الرّادعة نعم
لا إشكال في عدم الحكم بفسقه إذا كان متجرّيا بما لا يكون ارتكابه موجبا
للفسق كما فيالصّغائر و إن قلنا باستحقاق العقاب على التّجري إذ التّجري
على المعصية لا يكون أولى من ارتكاب نفس المعصية كما أنّه لا إشكال في
الحكم بعدم كونه فاسقالو بني على كونه بمعنى الخروج عن طاعة اللّه بفعل
الكبائر كما هو واضح ثمّ
إنّ ما أفاده الشّهيد قدّس سرّه في وجه كلام بعض الأصحاب لا يخلو عن
نظرفإنّ القصد إلى الحرام مع العلم بالإباحة و الالتفات ممّا لا يتصوّر بل
قد يقال بتطرّق الإشكال فيما أفاده قدّس سرّه في صور محلّ النّظر حيث إنّ
القصدإلى الحرام مع الظّن أيضا لا يخلو عن إشكال إلاّ أن يكون مراده من
الظن و الزعم العلم فتأمّل في بيان ما ذهب إليه الأخباريون في مسألة القطع
قوله
و ينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين إلى آخره(٣)
أقول
هذا التفصيل كما ترى يرجع إلى التّفصيل باعتبار السّبب و إنّ القطع الحاصل
من المقدّمات الشّرعيّة أو العقليّة الضّروريّة حجّة دون الحاصل
منالعقليّة الصّرفة مطلقا أو في الجملة على اختلاف بين المفصّلين و هو
مبنيّ على نفي الملازمة بين حكم العقل و الشّرع باعتبار كما يظهر من بعض
كلماتهمو استدلالاتهم مع تسليم حصول القطع من حكم العقل بحكم الشّرع من
البرهان العقلي الّذي أقاموه على الملازمة بين الحكمين و لذا عدّهم جماعة
من المحقّقينمخالفين في مسألة الملازمة و على نفي وجوب إطاعة الحكم
الشّرعي المستكشف من الدّليل العقلي باعتبار آخر كما يظهر من كلماتهم
الآتية ثمّ
إنّالمحكيّ عنهم في الاستدلال على ما ذهبوا إليه وجوه عمدتها وجهان أحدهما
كثرة وقوع الغلط و الاشتباه في المقدّمات العقليّة فلا يمكنالرّكون إليها
في استنباط الأحكام الشّرعيّة و بعبارة أخرى التّعويل في استنباط الحكم
الشّرعي على المقدّمات العقليّة الغير الضّروريّة مستلزم لتفويتالواقع
كثيرا فلا بدّ من أن لا يكون جائزا و هذا الدّليل كما ترى يرجع إلى
الاستدلال بحكم العقل لأنّ حرمة تفويت الواقع لا يمكن أن يستفاد من نفس
الخطابات