بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٧٥
كون المعرفة مغايرة لعقد القلب كما هو مقتضى العطف و حمله على التّفسير و البيان كما يقتضيه ذيل الرّواية حيث اقتصر على ذكر المعرفة فقط خلاف الظّاهرإلى غير ذلك ممّا يستظهر منه كون الإيمان و الاعتقاد غير مجرّد العلم و القطع بالمعارف و قد استدلّ قدس سره عليه في مجلس البحث بعد الإصرار علىتغايرهما بأنّهما لو كانا متّحدين لم يمكن تعلّق الوجوب بالاعتقاد و صيرورته معروضا له لأنّ الاعتقاد بمعنى العلم من الأوصاف الاضطراريّة بعدحصول المقدّمات لا الأفعال فلا يعقل أن يعرضها الوجوب فيكون المطلوب حقيقة هو مقدّمات تحصيله الّتي هي من قبيل الأفعال الاختياريّةو هو خلاف ظاهر جميع كلماتهم بل خلاف ظاهر الآيات و الأخبار الواردة في باب الإيمان و المعرفة فلا بدّ من أن يلتزم بكون الاعتقاد أمرااختياريّا و فعلا للقلب غير مجرّد التّصديق العلمي حتّى يمكن اتّصافه بالوجوب و يقع في حيّز أمر الشارعفي بيان أنّ العلم يغاير الاعتقاد أم لا لا يقال إنّ العلم و إن لم يكن مقدورابالذّات إلا أنّه مقدور بالواسطة و معلوم أنّ القدرة الّتي هي مناط صحّة التّكليف و مداره هو الأعمّ و إلاّ لارتفع أكثر التّكاليف إن لم يرتفع كلّهاو هو كما ترى لأنّا نقول ما ذكر من إناطة التّكليف بالقدرة بالمعنى الأعمّ و إن كان أمرا مسلّما مفروغا عنه إلاّ أنّ متعلّق المقدور بالواسطةلا بدّ من أن يكون من مقولة الأفعال بالمعنى الأعمّ من فعل القلب و الجوارح و لا يجدي تعلّقها بالصّفة فإنّ المكلّف به حقيقة حينئذ هو الأسبابو لو تعلّق في ظاهر القضيّة اللّفظيّة بالأوصاف فلا بدّ من صرفها ضرورة انحصار متعلّق الأحكام الشّرعيّة في أفعال المكلّفين و بالجملةالاعتقاد يغاير العلم و من هنا حكم في الشّرع كتابا و سنّة بكفر من لم يعتقد بالحقّ و إن كان عالما به سواء كان مصرّا في ترك الاعتقادأو لا هذا و لكن قد يناقش فيما أفاده قدس سره مضافا إلى منافاته لما سيجيء من كلامه من الإشكال في منع حجيّة الخبر في الأصول بقوله قدس سرهو لكن يمكن أن يقال إنّه إذا حصل الظّن من الخبر إلى آخره إذ لا فرق بين الظّن و العلم في الحكم المذكور كما هو ظاهر بأنّا كلّما نتأمّل لا نعقل الاعتقادأمرا زائدا على التّصديق الحاصل في القلب و لا نرى فيه بعد التّصديق العلمي شيئا آخر أصلا يعبّر عنه بالاعتقاد و فعل القلب فالتّصديقالمذكور عين عقد القلب على المعلوم لا تغاير بينهما أصلا فإن كان اختياريّا فهو أيضا اختياريّ و إن كان اضطراريّا فهو أيضا اضطراريفإن كان من فعل القلب فهو أيضا من أفعاله و إن كان من الأوصاف فهو أيضا من الأوصاف فظهر من ذلك اندفاع ما أفاده قدس سره من أنّه لو كانامتّحدين لم يمكن تعلّق الوجوب بالاعتقاد و صيرورته معروضا له على ما هو المطلوب في العقائد أوّلا و بالذّات لأنّ التّصديق كما هو الحقّ المعروفعبارة عن فعل القلب فإن فرض اختياريّا ابتداء و بالذّات كما قد يتوهّم فلا إشكال لأنّ الفعل الّذي يعتبر تعلّق التّكليف به أعمّ من أنيكون من أفعال القلب أو الجوارح و إن فرض اضطراريّا كما هو الحقّ و عليه المحقّقون من كون جميع الإدراكات اضطراريّا فكذلك لأنّ المقدوربالواسطة مقدور و يصحّ تعلّق التّكليف به سواء كان من أفعال القلب أو الجوارح و بالجملة تعلّق الأمر و التّكليف بالعلم و التّصديق ممّالا مجال لإنكاره فإن كان العلم من الأفعال فهو و إن كان انفعالا للقلب فلا بدّ من إرجاع الأمر به إلى الأمر بمقدّماته و ليس فيه إلاّ مخالفةظاهر كلماتهم و هي ممّا لا يوجب رفع اليد عمّا قضت به الضّرورة من عدم تعلّق التّكليف بما لا يكون من مقولة الفعل فالاستدلال على كونالعلم مغايرا للاعتقاد من حيث تعلّق التّكليف به محلّ نظر بل منع و أمّا الحكم بكفر جماعة ممّن كانوا عالمين بالحقّ كفرعون و أضرابه فليسمن جهة عدم اعتقادهم مع علمهم بالحقّ بل من جهة إنكارهم للحقّ و عدم التزامهم به إذا الإيمان ليس مجرّد الاعتقاد ضرورة اعتبار أمر آخروراءه فيهفي مغايرة الاعتقاد للرّضا و الاستنكاف نعم لا إشكال في أنّ هنا شيئا آخر وراء العلم و هو الرّضا و طيب النّفس في مقابل الاستنكاف و الاستكبار القلبي وقد اعتبر الرّضا و التّسليم في رواية الزّبيري بعد الإقرار و المعرفة و عقد القلب و هو ظاهر قوله عليه السلام في بعض الأدعية رضيت باللّه ربّا و بالقرآنكتابا و بالكعبة قبلة لكنّ الظّاهر عدم إرادة التّسليم و الرّضا من الاعتقاد في كلامه قدس سره و إن كان لا يأباه ما أفاده في مجلس المذاكرة بل ربمايصرّح به في خلال إفاداته مع أنّ القول باعتبار ذلك في الإيمان خلاف ظاهر أكثر الأخبار الواردة في تفسير الإيمان كما ستقف عليه ممّاذكره قدس سره بعد ذلك نعم لا إشكال في اعتباره في بعض مراتب الإيمان و عدم تحقّقه بدون الرّضا و التّسليم حيث إنّه ذو مراتب و درجاتكثيرة لا يوجد بعضها إلاّ في الخصّيصين من الأولياء و المرسلين و الصّديقين و أمّا اعتباره في الإيمان بقول مطلق في مقابل الكفر الموجبللخلود في النّار و الأحكام الدّنيويّة و الآثار البرزخيّة فلا يظنّ القول به من أحد فضلا عن مثله العديم في عصره بل غالب الأعصار ثمّ إنّ ما ذكرنا من المناقشة فيما أفاده من مغايرة العلم للاعتقاد لا تعلّق له بما أفاده في بيان تقسيم العقائد إلى القسمين فإنّه صحيح لا محيص عنهأصلا فيقال علي المناقشة المزبورة إنّ ما يكون من مقولة الاعتقاديّات لا يخلو إمّا أن يجب تحصيل معرفته أو لا يجب بل إن حصلت المعرفةحصل الاعتقاد قهرا و وجب الالتزام و التّدين بمقتضاه و إن لم يحصل فلا يجب تحصيل المعرفة الظّنّية و لا التّدين بمقتضاها لو فرض حصولهاكما لم يجب تحصيل المعرفة العلميّة بل على تقدير حصول المعرفة الظّنية يحرم التّديّن و الالتزام بها لما دلّ على حرمة التّدين بغير العلم ثمّ