بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٣
العقل بكونه ظلما عليه من حيث إنّ حقّ المولى على العبد أن يطيعه و ينقاده و ليس الظّلم عبارة عن خصوص الضّرب أو الشّتم أو أكل مال الغير بغيرحقّ حتى يقال بعدم شموله للتّجري على معصية المولى هذا و لكن قد يقال بأنّ البناء على كونه ملحقا بالظّلم بالمعنى الّذي عرفته ربما ينافي عدم حرمتهإذ كيف يمكن الجمع بين كون التّجري قبيحا ذاتا كالظّلم و القول بعدم حرمته حيث إن لازمه أن يكون من مقولة الفعل لا من مقولة الأوصاف فالالتزامبهما ممّا لا يمكن و إلاّ كان قولا بالمتنافيين و جمعا بينهما هذا و دعوى إمكان القول بكونه من قبيل المعصية في كونه ظلما على المولى و عدم كونه حرامامن حيث تحقّقه بالقصد المجرّد أيضا بل حقيقته متقوّمة به دائما كما ترى ضرورة أنّ القصد أيضا من الأفعال المتعلّقة للتّكليف غاية الأمر كونهمن أفعال القلب لا الجوارح فتأمّل في توضيح أن التجري إذا لم يكن علة تامة للقبح فلا أقل من أن يكون مقتضيا له الثّاني أنّه لو سلّم أن التّجري ليس قبيحا ذاتا لكنّه ليس من الأفعال الّتي لا تتّصف بالنّظر إلى أنفسها في حكم العقلبالحسن و القبح بل يحتاج اتّصافها بهما إلى انضمام ما يقتضي أحدهما بها من الوجوه و الاعتبارات بل من الأفعال الّتي تتّصف بالنّظر إلى أنفسها بالحسن و القبح مع قابليّة خلوّ الذّات عنهما بواسطة عروض الرّافع و بعبارة أخرى لو سلّم عدم كون التّجري علّة تامّة للقبح لكن لا إشكال في كونهمقتضيا له بحيث يحتاج ارتفاعه إلى اجتماعه مع عنوان حسن غالب حسنه على قبحه أو مساو له و ليس ممّا لا يقتضي بالنّظر إلى أنفسها شيئا توضيح ما ذكرهأنّ القائلين بالتّحسين و التّقبيح العقليّين اختلفوا بعد اتفاقهم على ثبوتهما في الجملة في كونهما ذاتيّين في الأفعال بمعنى كون الذّات علّة تامة لهمامطلقا على ما هو معنى الذّاتي حيث إنّه ما لا يتخلّف عن الذات أو بالاعتبار مطلقا بمعنى عدم اقتضاء ذات الأفعال شيئا منهما نظير عدم اقتضاء ذاتالممكن شيئا من الوجود و العدم أو التّفصيل بين القبح و الحسن أو التّفصيل بين الأفعال بمعنى كونهما في بعضها من الذّاتيات بمعنى العلّة و في بعضها من الاعتباريّات بالمعنى اقتضاء الذّات لهماو لو خلّيت طبعها بحيث لا ينافي عدم فعليّتهما لمانع يمنع عن تأثير المقتضي و الذاتي بهذا المعنى أيضا لا يمكن أن يتخلّف عن الذات ضرورة امتناع تخلّف الذاتيعن الذات مطلقا إلاّ أنّ مقتضى الذات قد يكون العلّية و قد يكون الاقتضاء و السّببيّة و هذا أمر ظاهر و هذا هو المختار للأستاذ العلاّمة منبين الوجوه وفاقا لجمع من المحقّقين فلذا ذكر دام ظلّه أن التّجري لو سلّم أنّه ليس علّة تامّة للقبح كالظّلم فلا أقلّ من أن يكون مقتضيا له كالكذب فجعله ممّالا يقتضي بالنّظر إلى ذاتها شيئا ممّا لا وجه له فإذا ثبت كونه مقتضيا للقبح في نظر العقل فلا معنى للحكم بعدم قبحه في مورد إلاّ بانضمام ما يتدارك به قبحهمن الحسن الفائق عليه أو المقاوم له ضرورة أنّ المانع من الجهة العقليّة ليس إلاّ ما يكون من سنخها من حيث الثّبوت من العقل حتّى يتحقّق التّضاد و التمانعو من المعلوم المقرّر في محلّه تفصيلا أنّ العقل لا يحكم بالقبح أو الحسن بالنّسبة إلى عنوان إلاّ بعد القطع به و ليس للحكم العقلي واقعيّة كالحكم الشّرعي يتبعالعنوان الواقعي المعلوم عند الشارع مع عدم علم المكلّف به ضرورة أنّ الحكم ليس له واقعية بالنّظر إلى نفس الحاكم حتّى يحتمل ثبوته مع احتمال ثبوت موضوعهفضلا عمّا لو اعتقد عدم الثّبوت فإذا فرض حكم العقل بقبح ارتكاب المضرّ لم يكن معنى للقول باحتمال وجود حكمه مع احتمال الضّرر فيه بل مع احتمالهيقطع بعدم حكم العقل بقبحه ضرورة أنّ الحكم من الوجدانيّات للحاكم فإذا كان هذا حال صورة الاحتمال فكيف حال ما إذا قطع بعدم وجود الضّررفي شيء مع كونه مضرّا في الواقع نعم لو فرض لحوق حكم العقل واقعا لمحتمل الضّرر كان حكم العقل موجودا مع الاحتمال لكنّه خروج عن الفرض كما لا يخفىفنقول في المقام إنّه إذا فرض قطع العبد بحرمة شيء أو وجوبه لم يكن ريب في تحقّق التّجري على تقدير إتيانه بالفعل في الأوّل و تركه له في الثّاني حسب مااعترف به الخصم و لا يعقل منعه أيضا و إن صادف اعتقاده في الأوّل واجبا توصّليا و في الثّاني حراما توصّليا يحكم العقل بحسن الإتيان به على التقديرالأوّل و قبحه على التّقدير الثّاني على تقدير العلم بعنوانهما المقتضي لهما في نظره و لا يعقل اتّصاف العنوان الواقعي بالحسن في الأوّل و القبح في الثّاني حتّىيكون مزاحما لعنوان التّجري المقتضي للقبح في نظر العقل إذ ليس قبح التّجري مقيّدا بعدم ذلك العنوان في الواقع حتّى يكون وجوده الواقعي رافعا لقبح التجريبل مقيّد بعدم الحسن الفائق على قبحه و من المعلوم عدم عروض الحسن للعنوان الواقعي إلاّ مع العلم به إذ الحسن من مقولة الحكم و الإنشاء للعقل حسب ماعرفت فلا واقعيّة له و ليس الحسن و القبح من قبيل المصلحة و المفسدة حتّى يكون وجودهما الواقعي تابعا لوجود ما هو الموضوع لهما واقعا فإذا قطعالعبد بوجوب قتل شخص و أنّ المولى أمر بقتله من جهة قطعه بكونه كافرا أو عدوّا للمولى فتجرّى و لم يقتله مع مصادفة قطعه لمن يحرم قتله من المؤمنأو الحبيب فلا معنى للحكم بارتفاع قبح التّجري من جهة هذه المصادفة الّتي لا يترتّب عليها أثر و لذا التزم الخصم بأنّه لو قتله كان معذورا ضرورةأنّ معذوريّته لا تجامع إلاّ مع عدم حرمته و إلاّ فلا معنى للحكم بالعذر فترك قتل المؤمن من جهة كونه مجهول العنوان لا يمكن أن يتّصف بحسن حتّىيرفع قبح التّجري كما أنّ فعله من جهة كونه مجهول العنوان لا يمكن أن يتصف بقبح حتى ترفع حسن الانقياد على تقدير اختياره الفعل بعنوان انقياد المولى فإن قلت ما ذكرته إنّما يستقيم على تقدير القطع بعدم تحقّق ما هو المقتضي للحسن و إن كان مخالفا للواقع و أمّا على تقدير الظّن المعتبر بهكما إذا فرض قيام الطّريق الظني إلى معرفة الكافر أو العدوّ في المثال المفروض فلا معنى للقول باستقلال العقل في الحكم بالقبح مع تجويزه وجودما يرفعه ضرورة أنّ المعروض للقبح عند التّحقيق هو التّجري الغير المصادف لما يصادمه فالشّك في القيد يوجب الشّك في المقيّد و معه