بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢٢٠
في حكم العقل عند انسداد باب الظّن بالطّريق إذا تعارضت ليس التّعارض الحقيقي كيف و لا يمكن اجتماع الظّنين الشّخصيّين في مسألة علىطرفي النّقيض بل المراد التّعارض الصّوري بين الأمارتين المقتضيتين للظّن فيكون مفاد الأقوى ظنّا و الضّعيف وهما فيئول إلى اجتماع الظّنو الوهم حقيقة على ما عرفت الإشارة إليه من كلامه فيما قام ظنّ على عدم حجيّة الظنّ الّذي يدخل في مسألة المانع و الممنوع الّتي يأتي البحثعنها في الكتاب ثمّ إنّ هنا مناقشات أخر قد طوينا عن التّعرض لها خوفا من إطالة الكلام مضافا إلى أنّه بعد التّأمّل فيما تعرّضناله يمكن الإحاطة بها و الالتفات إليها فلا فائدة في ذكرها نقل كلام بعض الأفاضل في أنّ خبر الثّقة لا يفيد العلم بالواقع قوله قدس سره ثمّ شرع في إبطال دعوى حصول العلم إلخ(١)أقول الأولىنقل كلامه قدس سره في هذا المقام لترتّب بعض الفوائد عليه قال قدس سره و القول بإفادة قول الثّقة القطع بالنّسبة إلى السّامع منه بطريقالمشافهة نظرا إلى أنّ العلم بعدالته و الوقوف على أحواله يوجب العلم العادي بعدم اجترائه على الكذب كما هو معلوم عندنا بالنّسبة إلىكثير من الأخبار العاديّة سيّما مع انضمام بعض القرائن القائمة مجازفة بيّنة إذ بعد فرض المعرفة بالعدالة بطريق اليقين مع عدم اعتبارها فيالشّرع المبين كيف يمكن دعوى القطع مع انفتاح أبواب السّهو و النّسيان و سوء الفهم سيّما بالنّسبة إلى الأحكام البعيدة عن الأذهان كما نشاهدذلك في أفهام العلماء فضلا عن العوام مضافا إلى قيام احتمال النّسخ في زمن النّبي صلى اللَّه عليه و آله في كلّ آن و مع ذلك لم يوجب على جميع أهل بلده التجسّسبما يفيد العلم بعدمه في كلّ زمان بل كانوا يبنون على الحكم الوارد إلى أن يصل إليهم نسخة هذا كلّه بالنّسبة إلى البلدة الّتي فيها الرّسول صلى اللَّه عليه و آلهو الإمام عليه السلام فكيف بالنّسبة إلى سائر الأماكن و البلدان سيّما الأقطار البعيدة و البلاد النائية و من الواضح أنّه صلى اللَّه عليه و آله كان يكتفي منهم بالأخذ بالأخبارالواردة عليهم بتوسّط الثّقات كما يدلّ عليه آية النّفر و الطّريقة الجارية المستمرّة المقطوعة و لم يوجب صلى اللّه عليه و آله يوما على كلّ من لم يتمكّن من العلم المهاجرةو نحوها أو أخذ الأحكام على سبيل التّواتر و نحوه و كذا الحال في الأئمّة عليهم السلام و ذلك أمر معلوم من ملاحظة أحوال السّلف و الرّجوع إلى كتبالرّجال و إنكاره يشبه إنكار الضّروريات و ليس ذلك إلاّ للاكتفاء بالأخذ بطرق ظنيّة و دعوى حصول العلم بالواقع من الأمور البعيدة خصوصابالنّسبة إلى البلاد النّائية سيّما بعد ما كثرت الكذّابة على النّبي صلى اللَّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام حتّى قام خطيبا في ذلك و نادى به الأئمّة عليهم السلام كما يظهر من ملاحظة الأخبارو ما يتراءى من دعوى السيّد و غيره إمكان حصول القطع بالأحكام في تلك الأعصار ممّا يقطع بخلافه و يشهد له شهادة الشّيخ رحمه الله و غيره بامتناعهو الظّاهر أنّ تلك الكلمات مؤوّلة بما لا يخالف ما قلناه لبعد تلك الدّعوى من أضرابه و ممّا ينادى بعدم بناء الأمر على تحصيل القطع ملاحظةحال العوام مع المجتهدين فإنّ من البيّن عدم وجوب تحصيل القطع عليهم بفتاوى المجتهد على حسب المكنة بل يجوز لهم الأخذ عن الواسطةالعادلة مع التّمكن من العلم بلا ريبة و عليه جرت طريقة الشّيعة في سائر الأزمنة بل الظّاهر أنّه ممّا أطبقت عليه سائر الفرق أيضاو هل كان الحال في الرّجوع إلى النّبي صلى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام في ذلك العصر إلاّ كحال العوام في هذه الأعصار في الرّجوع إلى المجتهدين فبملاحظة جميعما ذكرناه يحصل القطع بتجويز الشّارع العمل بغير العلم في الجملة مع انفتاح طريق العلم سيّما مع ملاحظة ما في التّكليف بالعلم في خصوصياتالأحكام من الجرح التّام بالنّسبة إلى الخواص و العوام و هو ممّا لا يناسب هذه الشّريعة السّمحة السّهلة الّتي رفع عنها الحرج و المشقّة و وضعتعلى كمال التّيسر و السّهولة و يشهد بذلك أيضا ملاحظة الحال في موضوعات الأحكام فإنّه اكتفى الشّارع في إثباتها بطرق مخصوصة من غيرالتزام بتحصيل العلم بها بالخصوص لما فيه من الحرج و المشقّة في كثير من الصّور فإذا كان الحال في الموضوعات على الوجه المذكور مع أنّ تحصيلالعلم بها أسهل فذلك بالنّسبة إلى الأحكام أولى و أيضا من الواضح كون المقصود من الفقه هو العمل و تحصيل العلم به إنّما هو من جهةالعلم بصحّة العمل و أدائه مطابقا للواقع و من البيّن أنّ صحّة العمل كما يتوقّف على العلم بالحكم كذلك يتوقّف على العلم بالموضوع فالاقتصارعلى خصوص العلم بالنّسبة إلى الحكم لا يثمر العلم بصحّة العمل بالنّظر إلى الواقع مع الاكتفاء بغيره في تحصيل الموضوع و ليس المحصّل للمكلّف حينئذ بالنّسبةإلى العمل إلاّ العلم بمطابقة العمل لظاهر الشّريعة و القطع بالخروج عن العهدة في حكم الشارع فينبغي أن يكون ذلك هو المناط بالنّسبة إلى العلمينانتهى كلامه رفع مقامه و قد عرفت ممّا قدّمنا في مسألة حجيّة الأخبار من حيث الخصوص أنّا لا نضايق من القول بحجيّة خبر الثّقة في الأحكامالشّرعيّة من حيث الخصوص لكن بالعنوان الّذي عرفت شرحه عن قريب لا أن يكون هو المناط و المدار في التّكليففي أنّ سلوك الطّريق لا يوجب رفع الواقع عند المخالفة قوله قدس سره أنّ الحاصل أنّ سلوكالطّريق المجعول مطلقا أو عند تعذّر العلم إلخ(٢)أقول قد عرفت شرح القول في ذلك و أنّ الأمر بسلوك الطّريق من حيث هو أمر تبعيّ غيريّلا يؤثر موافقة الاتّفاقيّة في سقوط الخطابات الواقعيّة أصلا عند المخالفة بل امتثاله مع العلم به لا يجدي شيئا في سقوط الخطاب الواقعينعم يحكم العقل بكون المكلّف معذورا في مخالفة الواقع المسبّبة عن سلوك الطّريق فيما لو أسند إليه مع ثبوته بالعلم أو الظّن المعتبرفمجرّد موافقته من دون استناد إليه لا يؤثر أصلا حتّى في سقوط الخطاب المتعلّق به فضلا عن الخطاب المتعلّق بالواقع فليس العمل بالطّريق من دون