بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١٢
و إن كان المختار عندنا في هذه المسألة وجوب رجوعه إلى قول الأموات من المجتهدين في المسألة الّتي لا يجد فيها رأي الأحياء أو الأخذبالاحتياط إذا لم يكن عسرا حسبما فصّلنا القول فيه في باب التّقليد خلافا لما اختاره شيخنا الأستاذ العلاّمة قدس سره و ممّا ذكرناكلّه يظهر لك المراد من قول شيخنا قدس سره لم يجب عليه العمل بالظّن في تعيين المجتهد بل وجب عليه العمل بظنّه في تعيين الحكم الواقعي فإنّالوجوب المنفي في كلامه هو الوجوب التّعييني كما أنّ المثبت هو الوجوب التّخييري لأنّ إرادة غير ما ذكرنا لا يجامع المفروض في كلامه نعم لو كان المفروض قبل هذا القول قدرة العامي على إعمال الأمارات المضبوطة في الأحكام و عجزه عن إعمالها في تعيين المرجع تعيّنحمل الوجوب المثبت على التّعيين و المنفي على أصل الوجوب مع عدم الجواز كما هو ظاهر فافهم في أنّ الحقّ جواز عمل القاضي بعلمه قوله قدس سره هذا مع إمكان أن يقالإنّ مسألة عمل القاضي بالظّن إلخ(١)أقول لا يخفى عليك أنّ ما أفاده قدس سره مجرّد إبداء احتمال و لذا عبّر بالإمكان و قد حكي عن بعضالقدماء المصير إليه في باب القضاء و لأجله منع من قضاء القاضي بعلمه و إن جوّز عمله به و إلاّ فالّذي يقتضيه الأدلّة و اختارهشيخنا قدس سره في باب القضاء و أكثر الفقهاء بل ادّعى عليه الإجماع لزوم قضائه بعلمه بل لا يعقل منعه بعد كونه مأمورا بالقضاء بالحقّو القسط و تنزيل الأدلّة على خصوص القضاء في الشّبهات الحكميّة كما ترى و لا ينافي ذلك ما دلّ على حصر القضاء من النّبي صلى اللَّه عليه و آله بالبيّنةو الأيمان و كذا غيره ممّا دلّ على الحصر بقول مطلق فإنّ المراد من الأوّل قضاء النّبي صلّى اللّه عليه و آله بالحقّ الواقعي على طبق البيّنةو اليمين كيف و جعل الحكم الظّاهري في حقّه غير معقول و من الثّاني الحصر بالإضافة إلى غيرهما من الأمارات هذا و إن أردت شرحالقول في ذلك فراجع إلى ما علّقناه في الكتاب في مسألة البحث عن العلم فإنّا قد استوفينا الكلام فيما يتعلّق بالمقام نقضا و إبراماو إلى ما كتبناه في باب القضاء من الفقه و قد ذكرنا هناك ما يدلّك على أنّ شرع القضاء بالموازين المقرّرة ليس على السّببيّة المحضةبحيث لم يلاحظ الطّريقيّة فيها أصلا و رأسا بل على الطّريقيّة و الكشف النّوعي حتّى في مسألة القرعة كما يظهر من أخبارها مع أنّ عدمملاحظة الكشف لا يلازم إعراض الشّارع عن الواقع رأسا بحيث لو علم بخطاء البيّنة بالنّسبة إلى الواقع حكم بكونها حجّة غاية ما هناككون اعتبارها من باب التعبّد الصّرف كاعتبار الأصول في مجاريها مثل الاستصحاب و لا يلزم من اعتبارها على هذا الوجه إعراضالشّارع عن الواقع في مواردها بحيث يقيّد الواقع بها حتّى يشبه التّصويب الّذي اتّفقت كلمة العامّة على بطلانه في الموضوعات اللّهمّإلاّ أن يكون مراده قدس سره من الإعراض عدم ملاحظة الطّريقيّة في جعلها لا رفع اليد عن الواقع رأسا في مواردها فيرجع إلى ما ذكرنا مناحتمال التعبّد في جعلها و يترتّب عليه ما أفاده من عدم التّسوية بين إعمال الأمارة في تشخيص الطّريق و إعمالها في تشخيص الواقع علىهذا التّقدير أيضا كما يترتّب على ما يقتضيه ظاهر العبارة في النّظر الأوّل و إن كان بينهما فرق في الوضوح و الخفاء من حيث التّرتبالمذكور و اللاّزم المنظور و منه يظهر أنّه يمكن الفرق بين المقام و عمل العامي بالتّقليد أيضا من حيث احتمال التّعبّد في حقّه و هذاالوجه و إن كان فاسدا في التّقليد بل في باب القضاء إلاّ أنّ احتماله يكفي مانعا عن قياس المقام به و لا بدّ من تنزيل عبارة الكتابعلى هذا الوجه و إن استلزم خلاف الظّاهر في بعض ألفاظها و ببالي أنّه قدس سره يفسّر العبارة في مجلس البحث بذلك فإنّ الوجه الأوّل ممّا لايمكن الالتزام بلوازمه الفاسدة نعم ترتيب ما أفاده قدس سره على الوجه الثّاني من عدم التّسوية بين الظّنين يحتاج إلى مزيدتأمّل فإنّه يمكن أن يقال إنّ عدم ملاحظة الشّارع الطّريقيّة في جعل الأمارات إذا لم يوجب الإعراض عن الواقع كما هو المفروض فأيّمانع من الحكم بحجيّة الظّن في تشخيص الواقع كالظّنّ في تشخيص الطّريق الّذي فرض انسداد باب العلم به كالواقع و أيّ مزيّة للثّاني على الأوّل غايةما هناك ملاحظة الشّارع وجود مصلحة في أمره بسلوك الطّريق يتدارك به المصلحة الفائتة عند مخالفتها للواقع و هذا المقدار لايوجب رفع اليد عن الواقع رأسا و إلاّ لزم الإعراض بالمعنى الأوّل الباطل كما هو المفروض فالإعراض بهذا المعنى لا يلازم نفي التّسوية بينالظّنين فافهمفي أنّ مجرّد أغلبيّة الظّنون الخاصّة لا يوجب جعلها مطلقا حتّى في زمان الانفتاح قوله قدس سره بخلاف الطّرق المنصوبة للمجتهد على الأحكام إلخ(٢)أقول جعل الوجه في تخصيص الطّرق المنصوبة بالخصوص منبين الأمارات ما أفاده قدس سره فيما لو قيل باختصاص اعتبارها بزمان العجز عن تحصيل العلم في مواردها فيصير من الظّنون الخاصّة المقيّدةبزمان الانسداد ممّا لا غبار فيه و لا شبهة تعتريه و أمّا على القول بعموم اعتبارها لزمان الانفتاح و التّمكن من تحصيل العلم فيموردها بالرّجوع إلى المعصوم عليه السلام فيكون من الظّنون الخاصّة المطلقة كما هو الشّأن فيما بأيدينا من الظّنون الخاصّة فقد يناقش فيه بأنّ مجرّدأغلبيّة الظّنون الخاصّة بالنّسبة إلى سائر الأمارات الملقاة عند الشّارع لا يوجب جعلها مع التّمكن من تحصيل العلم بالواقع فإنّه يلزممنه فوت الواقع أحيانا مع التّمكن من تحصيله و هو قبيح على ما اعترف به شيخنا قدس سره أيضا فيما تقدّم من كلامه في ردّ ابن قبة قدس سره فلا بدّ