بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ٢١
بأحد الطّرفين في غاية الإشكال و أمّا غيره من الوجوه ممّا يتمسّك بها في المقام فليس شيء قطعا في بيان ما يتعلق بحديث من سن من الإيراد عليه و الجواب عنه
قوله
كما يشهد به الأخبار الواردة إلخ(١)
أقول
دلالة الأخبار على ما ذكره دام ظلّه من صحّة إناطة عدم العقاب بالأمر الغير
الاختياري ممّا لا إشكال فيه فإنّ مقتضاها كون قلّة عقاب منقلّ عامل سنته
و عدم استحقاقه لما يستحقّه من كثر عامل سنته من مقدار الزّيادة من جهة
قلّة العامل التي ليست باختيار الإنسان إنّماالإشكال باعتقاد من لا خبرة له
في دفع ما ربما يتوهّم في المقام على ما ذكره الأستاذ العلاّمة من الإيراد
بأن هذه الأخبار كما تشهد لما ذكره الأستاذالعلاّمة من صحّة استناد عدم
العقاب إلى الأمر الغير الاختياري كذلك تشهد على ما ذكره من عدم صحّة
استناد العقاب إلى الأمر الغيرالاختياري فإنّ مقتضى الأخبار كون زيادة
العقاب على من اتّفق كثرة العامل بسنّته من جهة الكثرة التي ليست من الأمور
الاختياريّة بل العقابعلى أصل فعل الغير من العقاب على الأمر الغير
الاختياري فلا معنى للاستدلال بالرّواية على المدّعى هذا مضافا إلى أنّها
من الأخبار الآحادلا يجوز الاستدلال بها في أمثال المقام على ما هو واضح و
ستقف عليه و لكنّك خبير بأنّ ما ذكر من الإيراد في كمال الوضوح من الفساد أمّاالأوّل
فلأنّ مرجع العقاب على كثرة العامل هو العقاب على فعله لا العقاب على نفس
الكثرة لأنّه لم يستفد من الأخبار و لم يقل به أحدو من المعلوم ضرورة صحّة
عقاب شخص على فعل غيره إذا كان هذا الشّخص سببا لفعل غيره و لو بالسّببيّة
النّاقصة و العقل لا يمنع عن ذلكقطعا لرجوع فعل الغير إذا إلى اختيار هذا
الشّخص من حيث سببيّة فعله له فالعقاب عليه بما يرجع بالأخرة إلى الاختيار و
من المعلوم بداهة أنّالاختيار مطلقا مصحّح للتّكليف و المؤاخذة و لذا ذكر
الأستاذ العلاّمة أنّ العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح و أمّا الثّاني
فلأنّالمقصود ليس الاستدلال بكلّ خبر ورد في هذا الباب بل الاستدلال
بمجموع ما وردت التي بلغت حدّ التّواتر فيخرج عن الأخبار الّتي لا يجوز
الاستدلالبها في أمثال المقام و لذا ذكر دام ظلّه أنّ الأخبار في أمثال
ذلك في طرف الثّواب و العقاب بحدّ التّواتر هذا مع إمكان أن يقال إنّ
الاستدلال بهذهالأخبار في المقام نظير استدلال الفقهاء في الموارد الكثيرة
على التّحريم و الوجوب بالأخبار الواردة في بيان العقاب على الفعل و
التّرك فيستكشفمن هذه الأخبار أنّ تأسيس السّنة السّيئة مثلا قبيح و حرام
من حيث هو و إن كان نفس فعل السّيئة أيضا حراما نعم
قد يستشكل في استدلالهدام ظله للمدّعى بما دلّ على تفاوت الثّواب من جهة
الأمر الغير الاختياري بأنّ إناطة الثّواب بالأمر الغير الاختياري ممّا لا
ضير فيه فإنّ الثّواب منجهة الأمر الغير الاختياري ليس ممّا يحكم العقل
بقبحه على الحكيم تعالى مضافا إلى مقتضى ما ورد في باب المجتهد من أنّ
للمصيب أجرين فإن الثّواب الزّائد للمصيب من جهة الإصابةالّتي ليست من
الأمور الاختيارية قطعا فلا يقال في المقام بمثل ما مثّلناه في الجواب عن
الوجه الرابع من رجوع العقاب إلى الفعل الاختياري و معصية المولىفيقال
بمثل ما قلناه في الجواب عن الوجه الرّابع من رجوع العقاب إلى الفعل
الاختياري و معصية المولى فيقال في المقام أيضا إنّ الثّواب راجع أيضاإلى
إدراك الواقع اختيارا و إطاعة الأوامر الدّالة على وجوب تحصيل الحكم
الواقعي النّفس الأمري هذا و قد يذبّ عن الإشكالين أمّا عن الأوّل
فبأنّ استحقاق الثّواب على الفعل لا يمكن إلاّ أن يكون إطاعة و من المعلوم
عدم تحقّقها إلاّ مع الاختيار لعدم جواز تعلّق الأمر بالفعل الغير
الاختياريحتّى يكون الإتيان به إطاعة كما لا يجوز تعلّق النّهي به حتّى
يكون الإتيان به معصية فاستحقاق الثّواب كاستحقاق العقاب لا بدّ أن يكون
علىالفعل الاختياري بل قد يقال إنّ الثّواب من باب التّفضّل أيضا يحتاج
إلى فعل اختياريّ يكون محبوبا للمولى و إلاّ لم يكن معنى للتفضّلفإنّه
يوجب التّرجيح بلا مرجّح فالتّفضل إنّما هو بالنّسبة إلى مرتبة الثّواب
الّذي يستحقّه العبد بواسطة الفعل الاختياري فالزّيادة على المقدار
الّذييستحقّه العبد تكون تفضّلا و من هنا يدفع ما يقال علي ما ذكرنا في
دفع الإشكال بأنّ استحقاق الثّواب لا يكون إلاّ على الإطاعة لا
الثّوابتفضّلا الّذي يحتمل أن يكون المراد من الاختيار فتأمّل و أمّا عن الثّاني
فبأنّ المقدار الزّائد من الثّواب إنّما هو على إطاعة أوامر وجوب تحصيل
الحكمالنّفس الأمري و يمكن فرض نوع اختيار فيه و إلاّ كان الأمر به قبيحا
اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّه لا معنى لما دلّ على وجوب تحصيل الحكم الواقعي
إلاّ تحصيلالعلم به أو الظن و المفروض مساوات المجتهدين فيه فتدبّر قوله
إلاّ أن يقال إنّ ذلك في المبغوضات العقلائية إلخ(٢)
أقول
أراد بذلكمنع كون زيادة الذّم من المولى و تأكّده من العقلاء بالنّسبة
إلى من صادف قطعه الواقع من جهة نفس المصادفة من حيث اشتمالها على مخالفة
الواقععلى تقدير الارتكاب بل من جهة أنّ الوقوع في مخالفة الواقع في
المبغوضات العقلائية مستلزم لحدوث عنوان آخر موجب للذّم أيضا و هي
الأذيةالنّفسانية بالنّسبة إلى المولى حيث إنّ المبغوضات العقلائيّة مبنيّة
على ما يرجع إلى المولى من المفاسد النّفسانيّة بل نفس مخالفة الموالي
العرفيّةمستلزمة للأذيّة بالنّسبة إليهم لا محالة كما هو واضح فزيادة
العقاب إنّما هو من جهة التّشفي الحاصل لهم بعد الأذيّة و هذا بخلاف
مبغوضاتالحكيم فإنّ كلّها مبنيّة على ما يترتّب إلى نفس العباد من المفاسد
بل كفر جميعهم لا يضرّ شيئا بساحة جلاله فضلا عن عصيانهم فلا يعقل
هناأذيّة و تشفّي حتّى يحكم بأنّ زيادة الذّم لهما تعالى اللّه عن ذلك
علوّا كبيرا و لازم ذلك كما لا يخفى مساواتهما في مقدار استحقاق المذمّة