بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٩
و مظنونه من حيث كونهما كذلك ممّا يجب الاجتناب و التّحرز عنه من غير أن يلاحظ فيهما جهة الطّريقيّة إلى الضّرر الواقعي و لذا يحكمون بفساد عمل من أتىبالواجب في حال الظن بالضّرر و إن انكشف عدم وجود الضّرر في الواقع كالمتطهّر بالطّهارة المائية مع الظن بالضّرر من استعمال الماء هذا و لكنّك خبيربأنّ هذا الإشكال في كمال الفساد لأنّ الّذي دلّ النقل و العقل عليه كون ارتكاب المضر الدّنيوي حراما كارتكاب سائر المحرّمات الشّرعيّة فالحرمة فيه كالحرمةفيها إنّما تعلّق بنفس الواقع و لا دخل للقطع و الظن فيها في بيان أن حكم العلماء بفساد العبادة مع الظن بالضرر لا يكون كاشفا عن موضوعيته نعم القطع به طريق إليه بنفسه كما في سائر المقامات و الظن به طريق إليه إمّا من بابدليل الانسداد أو حكم العقل و العقلاء به مع قطع النّظر عن برهان الانسداد و مجرّد حكم العقل بوجوب سلوك الطّريق الظّني في باب الضّرر لا يدلّعلى كون الظّن موضوعا فتأمّل و استكشاف موضوعيّته من حكمهم بفساد العبادة المأتيّ بها مع الظّن بالضّرر بها و إن انكشف عدمالضّرر في غاية الفساد إذ يكفي في الفساد عدم تمكّنه من قصد التّقرب الموقوف على العلم بالأمر المنفي على تقدير طريقيّة الظّن أيضا قطعا كماهو ظاهر و من هنا حكم غير واحد منهم الأستاذ العلاّمة بصحّة العبادة إذا غفل عن حاله و أتى بالفعل أو اعتقد عدم الضّرر و إن انكشف الضّرربعد العمل فتأمّل نعم قد يترتّب بعض الأحكام في الشّريعة على عنوان الخوف مثل عدم جواز الوضوء مع خوف الضّرر الّذي دلّ عليه بعضالأخبار و عدم جواز الصّوم مع خوف التضرّر به المدلول عليه ببعض الأخبار لكن لا دخل له بموضوعيّة الظّن في باب الضّرر لأنّ عنوان الخوفأعمّ منه قطعا و على تقدير مساواته له لا يدلّ على كون الظن في باب الضّرر موضوعا بالنّسبة إلى جميع الأحكام كما لا يخفى هذا و ستقف علىتفصيل القول في هذا في طي كلماتنا الآتية إن شاء اللّه تعالى هذا مجمل القول فيما يقال من المناقشة على الوجه الأوّل في أن القبح و الذم في التجري لم يتعلقا بنفس الفعل بل بالفاعل مستقلا و أمّا الثّاني أي بناءالعقلاء على مذمّة المتعاطي ذلك فلأنّ المسلّم منه إنّما هو بناؤهم على مذمّة الشّخص من حيث وجود صفة الشّقاوة فيه المستكشف لهم منفعله و إقدامه على الإتيان بما يعتقد كونه مبغوضا للمولى لا على مذمّة الشخص من حيث صدور فعل القبيح عنه فالمذمّة على الفاعل إنّما هوباعتبار ما كشف عنه الفعل من وجود صفة الشّقاوة فيه المحرّك له إلى الإقدام بإتيان ما يعتقد كونه مبغوضا للمولى و أنّه لا ريب في مذمّتهم للعبدالّذي علموا أنّه في مقام معصية المولى و إن لم يصدر منه فعل في الخارج أصلا لا من الجوارح و لا من القلب كالنّية كمن انكشف لهم من حاله أنّه بحيثلو قدر على قتل سيّده لقتله فإنّه ليس لأحد الارتياب في بنائهم على مذمّته لما استكشف لهم من حاله عن وجود صفة الشّقاوة و هذا أمر لا سترةفيه عند التّأمّل و الحاصل أنّ العقلاء قد يذمّون الشّخص على فعله و أنّه ذو فعل قبيح و قد يذمّون الشّخص على شقاوته من غير أن يكون فعله قبيحا عندهم و يعبّرعن الأوّل بالفارسي بقولهم(بد كاريست)و الثاني بقولهم(بد آدميست)و ليس المراد من رجوع المذمّة إلى الفعل عدم تعلّقه بالفاعل كيفو الفعل القبيح ما يكون فاعله مستحقّا للذم عند العقلاء بل المراد كون مذمّة الشّخص مستندا إلى إتيانه بالفعل القبيح و إن كان المحرّكة له إليه وجودصفة الشقاوة فيه أيضا فهو أيضا يكشف عن وجود صفة الشّقاوة فيه لا محالة و إلاّ لم يقدم على الإتيان بالفعل القبيح إلاّ أن للذّم تعلّقا بالفعل أيضاو هذا بخلاف القسم الثّاني فإنّ الذم فيه لا تعلّق له بالفعل أصلا فإذا لم يتعلّق الذّم و القبح بنفس الفعل بل بالفاعل مستقلاّ لم يكن معنى لجعل بناء العقلاءعلى المذمّة دليلا على استحقاق العقاب على العقل الملازم لحرمته عند الشّارع كما أنّ الذم بالفعل معلول لحرمته العقلائيّة ضرورة أنّ الملازمةإنّما تكون بين حرمة الفعل عند العقلاء و حرمته عند الحكيم تعالى لا بين مطلق مذمّة الشّخص عندهم و الحرمة كيف و هو ممّا لا معنى له و لا يمكن أنيتفوّه به عاقل و ممّا ذكرنا من البيان للمناقشة في الوجه الثّاني يظهر المناقشة في الوجه الثّالث أيضا لأنّا نمنع من حكم العقل بقبح التّجري من حيث إنّه تجريحتّى يحكم بحرمة الفعل المنطبق عليه من حيث استحالة تغاير حكم المتصادقين نعم يستقلّ العقل باستحقاق المتجرّي للذّم من حيث كشف تجريّهعلى المولى الحاصل بفعل ما يعتقد كونه معصية عن وجود صفة الشّقاوة فيه و بعبارة أخرى المسلّم في التّجري هو قبح الفاعلي لا الفعلي فإنّه محلّ منعو دعوى استقلال العقل به مكابرة صرفة لا شاهد لها أصلا بل المشاهد بالوجدان خلافها لا يقال كيف يحكم بتعلّق القبح بالفاعلتعلّقا ابتدائيا من غير أن يكون لفعله مدخل فيه مع أنّهم أطبقوا في مسألة التّحسين و التّقبيح العقليّين على أنّ متعلّق الحسن و القبح هو الأفعالالاختياريّة ليس إلاّ لأنّا نقول الحسن و القبح بالمعنى الّذي جعلوه محلاّ للنّزاع في باب التّحسين و التقبيح ليس إلاّ من عوارض الأفعال الاختياريّة لا مطلقالحسن و القبح فإنّ القبح الّذي يكون محلاّ للكلام هو كون فاعل الفعل مستحقا للذّم و المؤاخذة من حيث إنّه فاعله و الحسن الّذي يكون محلّ الكلام هو كونفاعل الفعل مستحقّا للمدح عند العقلاء و المثوبة من حيث إنّه فاعله و من المعلوم أنّهما بهذا المعنى ليسا إلاّ من عوارض الأفعال الاختياريّة و المسلّمفي المقام غير هذا المعنى فلا يشترط تعلّقه بالفعل الاختياري لا يقال إذا كانت صفة الشّقاوة ممّا لا يتعلّق بها الاختيار و من لوازم ذاتالعبد فأيّ معنى لأن يذمّ عليه و إن التزم بكونها اختياريّة من حيث إمكان إزالتها بالمجاهدة فيجب الالتزام بوجوب إزالتها من حيث كونها من قبيلالأوصاف الرّذيلة لنفس الأمارة فيلزمك القول باستحقاق العقاب في المقام و إن لم يكن على نفس ما اعتقد تحريمه لأنّه لا ثمرة على ترتب العقاب عليه