بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٨
عنه أوّلا بأنّه لا معنى لدعوى الفرق بين الظن المعتبر و العلم لأنّه بعد فرض كون المقصود من الظن طريقيّته إلى الواقع بحيث يكون الحكم تابعا لهكما هو المفروض و كان أمر الشّارع بسلوكه بهذه الملاحظة فلا معنى لترتّب استحقاق العقوبة على مخالفته و إن هو إلاّ كالأمر المقدمي المقصودمنه التوصّل بفعل المقدّمة إلى إتيان ذي المقدّمة من غير أن يكون المقصود منه نفس فعل المقدمّة أصلا بل الأمر بالعمل بالظّن بلحاظ الطّريقيّةو المرآتيّة يرجع إلى الأمر المقدّمي باعتبار فلا معنى إذا للحكم بإيجاب مخالفته لاستحقاق العقوبة و ثانيا بأنّ ذلك على تقدير استقامته إنّمايستقيم بالنّسبة إلى ما يفرض في سلوكه مصلحة يتدارك بها مصلحة إدراك الواقع على تقدير عدم مصادفته له لا بالنّسبة إلى ما لا يوجد فيههذه الجهة أصلا بل يكون اعتباره من باب مجرّد الطّريقيّة و الكشف الظّني كالظن الّذي يحكم العقل باعتباره بمقتضى برهان الانسداد أو غيره منالبراهين العقليّة الّتي أقاموها لحكم العقل بحجيّة الظّن المطلق فإنّ الأمر بسلوكه على هذا التّقدير ليس إلاّ من باب الإرشاد فلا معنى إذا لترتّب العقابعلى مخالفته نعم يمكن أن يقال فيما له جهة شرعيّة إنّ مخالفته موجبة لاستحقاق العقاب و اعتبار الظّن في المقام أي مسألة الظن بالضّيقإنّما هو من جهة حكم العقل من باب الإرشاد و الطّريقيّة المحضة من حيث إنّ عدم الأخذ به و التّأخير حتّى يحصل العلم بالضّيق مستلزم لفوت الواجبالمنجّز كثيرا بل في الأغلب فإنّه و إن انعقد الإجماع ظاهرا على اعتبار الظن في المقام إلاّ أنّا نعلم أنّ مدرك إجماعهم ليس إلاّ ما عرفت و ثالثا بأنّه و إن سلّمجواز مخالفة الظن للقطع في الحكم إلا أنّ الظّاهر من مقالتهم في الفرض اتحاد حكمهما لأنّ التعرض للعلم بالضيق ليس في كلام الأكثرين فيكون الوجه في عدمتعرّضهم له كونه أولى بالاعتبار عندهم من الظن و لم يعلم من كلماتهم أيضا الفرق بين الظّن و العلم في استحقاق العقاب على المخالفة فتدبّر هذاملخّص ما يقال في الجواب عمّا أورد على ما ذكره الأستاذ العلاّمة دام ظلّه و لكنّك خبير بأنّ الوجه الثّاني ممّا لا وجه له أصلا و إن كان في بادئ النّظر فيكمال الاستقامة لأنّ وجود المصلحة الجابرة في سلوك الطّريق على تقدير مخالفته للواقع و فوت الواقع بواسطة العمل به لا يقتضي كون الأمر بالعمل بالطّريقفي عرض الواقع و خروجه عن الأمر المقدّمي كيف و لو كان كذلك لزم عراء الأمر بسلوكه عن ملاحظة الطّريقيّة فحكم العقل بلزوم وجود مصلحة في أمرالشّارع بسلوك الطّريق على تقدير فوت الواقع من العمل إذا أمر به الشّارع عند التّمكن من تحصيله لا يخرج الطّريق عن الطّريقيّة و كونه في عرض الواقعهذا مضافا إلى أنّ ما ذكر إنّما يجري في بعض الطّرق الشّرعيّة لا في كلّها لعدم حكم العقل بلزوم وجود المصلحة في سلوك الطّريق عند أمر الشّارعبالعمل بشيء عند انسداد باب العلم و العجز عن تحصيل الواقع على ما ستقف على تفصيل القول فيه إن شاء اللّه تعالى فلم يبق إذا فرق بين الطّريق الذيحكم العقل بوجوب العمل به و طريقيّته كالظّن المطلق عند انسداد باب العلم و الطّريق الّذي يحكم الشّارع بوجوب العمل على طبقه نعم بناء علىالقول بالتّصويب لم يكن إشكال في لزوم الالتزام باستحقاق العقوبة على مخالفة الطّرق و الظّنون الاجتهادية لكون مؤدّياتها أحكاما واقعيّة دائمافلا يعقل الخطاء فيفرق على هذا المذهب بين مخالفة العلم و الظّن المعتبر اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم الفرق بينهما على هذا المذهب الفاسد أيضاحيث إنّ الظّاهر من مقالتهم ثبوت حكم واقعي للعالم في الواقع بأن يكون للعلم مدخل فيه و إن كان هذا باطلا من جهة استلزامه للدور هذا و لكنّالإنصاف أنّ القول بثبوت الجعل للعالم لا ينفي الخطاء في القطع و هو ظاهر فالفرق بينهما على مذهب العامّة مستقيم اللّهمّ إلاّ أن يكون النّزاعفي التّصويب و التّخطئة جاريا في العلم أيضا كالظن و جريانه لا يخلو عن تأمّل بل منع كما يظهر بالتّصفح و التّأمل في كلماتهم و لعلّنا نتكلّم في هذا عند التكلّمفي كيفيّة جعل الطّرق فيما سيمر عليك إن شاء اللّه تعالى فإن قلت معنى حكم الشّارع بوجوب العمل بالأمارة على مذهب المخطّئة ليس إلاّ جعلهلأحكام ظاهريّة مساوقة لما يترتّب على نفس الواقع ضرورة أنّ القضيّة الشّرعيّة سواء كانت واقعيّة غير مقيّدة بعدم العلم أو ظاهريّة أخذ فيهاالجهل و عدم العلم بالواقع الأولي مشتملة على الجعل الشّرعي دائما فالحكم الظّاهري أيضا حكم شرعيّ مبنيّ على المصلحة في جعله دائما غاية الأمر كونالجهل بالحكم الواقعي مأخوذا في موضوعه و هذا لا يخرجه عن كونه حكما شرعيّا قلت لسنا في صدد إنكار اشتمال القضيّة الشّرعيّة في باب جعلالطّريق على الحكم و الإنشاء الشّرعي كيف و لا يتصوّر معنى لحجيّة الأمارة و حكم الشّارع بلزوم سلوكها إلاّ جعل ما يترتّب على موردها في الظّاهر إلاّ أنهذا الجعل الظّاهري ليس إلاّ معنى إيجاب الشّارع العمل بالأمارة و الالتزام بمقتضاها و ليس هذا المعنى مختصّا بما لو كان مصلحة في سلوكها تجبرمفسدة الوقوع في مخالفة الواقع بل يجري في جميع الطّرق الشّرعيّة و العقليّة أيضا كيف و لا يتصور معنى لحجيّة الأمارة على أيّ تقدير إلاّ ما ذكر إذالحكم الظّاهري المجعول في كلّ مورد ليس في عرض الحكم الواقعي كيف و هو ممّا يستلزم التّصويب فالتّفصيل إذا ممّا لا معنى له فلا بدّ إذا من القول بأنّ مخالفةالطّرق الظّنيّة مطلقا موجبة لاستحقاق العقوبة فالحقّ وفاقا لما يظهر من الأستاذ العلاّمة في المقام في آخر الجزء الثّاني من الكتاب عدم ترتّب استحقاقالعقوبة على مخالفة الطّرق الظّنيّة بأسرها و بجميع أقسامها هذا ملخّص ما يقال بالنّسبة إلى ما استفاده دام ظلّه في المسألة الأولى و أمّا بالنّسبة إلىما ذكره في المسألة الأخيرة فبأنّ القطع و الظن في باب الضّرر ليس اعتبارهما من باب الطّريقيّة بل من باب الموضوعيّة بمعنى كون معلوم الضّرر