بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٧٤
من الأخبار بالتّواتر بأقسامه أو القرينة بأقسامها خارج عن أطراف العلم
الإجمالي فالمعلوم صدوره من الأخبار الكثيرة إنّما هو فيضمن غير المعلوم
صدوره تفصيلا فمحصّل هذا الوجه أنّا نعلم إجمالا بصدور أكثر ما بأيدينا من
الأخبار الّتي لا نعلم تفصيلا بصدورها و لاطريق لنا إلى تشخيص الصّادر عن
غيره فيجب إمّا الاحتياط و الأخذ بكلّ ما يحتمل صدوره و لو موهوما على ما
يقتضيه العلم الإجمالي بحكم العقلأو الأخذ بما ظنّ صدوره منها بعد فرض
قيام الدّليل على بطلان الاحتياط الكلّي و القول بأنّ ما أفاده قدّس سرّه
في تقريب العلم الإجماليلا يفيد العلم أصلا بعد فرض عدم التّواتر و
القرينة ضرورة أنّ الأخبار المفروضة ليست في واقعة واحدة و إنّما هي في
وقائع مختلفة متعدّدةلا ارتباط بينها أصلا كلّها مرويّة بسند واحد فيلاحظ
كلّ خبر بنفسه من غير أن يكون له تعلّق بخبر آخر في قضيّة أخرى غاية ما
هناك كونهامظنون الصّدور بالظّن الاطمئناني بعد ملاحظة كيفيّة ورودها إلينا
و اهتمام المشايخ في شأنها و أخذها و إيداعها في أصولهم و أينهذا من
العلم الإجمالي بصدور أكثرها أو كثير منها و إن هي إلاّ نظير الأخبار
الكثيرة الواردة على الشّخص في القضايا المتعدّدة المختلفة الغيرالمربوطة
بعضها ببعض من غير أن يكون مرجعها إلى تعيين ما اتّفقوا على وقوعه حتّى
يرجع إلى تواتر القدر المشترك و إلاّ فيخرج عن الفرض ضرورةأنّه لا فرق بين
خبر واحد في قضيّة شخصيّة و لو كان راويه عدلا إماميّا ضابطا و بين أخبار
كثيرة غاية الكثرة في وقائع مختلفة و لو كانتمن ثقات محتاطين في النّقل
فإن أفادت العلم بالصّدور فلا بدّ أن يفيد العلم به أيضا و هو خلف مع أنّه
على هذا التّقدير الفاسد لا بدّ أنيكون معلوم الصّدور تفصيلا لا أن يكون
بعضها معلوم الصّدور إجمالا فيتردّد بين الجميع فاسد جدّا إذ الكلام بعد
العلم ببيان النّبي صلى اللَّه عليه و آله و الوصيّجميع ما يحتاج إليه
الأمّة في الوقائع لأهل زمانهما و إيجابهما تبليغ الشّاهد و اهتمام كلّ
طبقة على نقل ما سمعوه و لو بوسائط و عدماندراس تمام ما بيّنه النّبي و
الوصيّ صلوات اللّه عليهما و وجود ما ثبت منهما فيما وصل إلينا من أخبار
الكتب من جهة ما أفاده قدّس سرّه من الشّواهدو القرائن بحيث لا يحتمل كون
تمام ما بأيدينا غير ما صدر عن المعصوم عليه السلام في بيان الأحكام بحيث
اختفى تمامه علينا و يكون تمام ما وصل إلينا منالأخبار المكذوبة عليهم
السّلام نعم
لا ينكر اختفاء البعض كما لا ينكر احتمال وجود بعض الأخبار المكذوبة فيما
بأيدينا و هذا لا ينافي العلمالإجمالي بصدور كثير منها أو أكثرها بل لا
ينافيه العلم بالاختفاء في الجملة و وجود الأخبار المكذوبة عليهم فيما
بأيدينا في الجملة كما هو واضحفقياس المقام بالأخبار الكثيرة الواردة في
الوقائع المختلفة قياس مع الفارق فالّذي يقاس به المقام ما لو علم بصدور
أحكام كثيرة من سلطانلم نسمعها منه و لكن نقلت إلينا بوسائط ثقات محتاطين
في النّقل مع شدّة اهتمامهم في الضّبط فإنّه يعلم إجمالا بأنّ تلك الأخبار
مشتملةعلى ما صدر من السّلطان و من أنكره فإنّما ينكره باللّسان و قلبه
مطمئنّ بالإيمان قوله
قدّس سرّه أو دعوى الظّن بصدور جميعها إلخ(١)
أقول
لا يخفىعليك أنّ المراد من الظّن بصدور الجميع المنافي للعلم الإجمالي
بكذب البعض هو الظّن الشّخصي الفعلي لا النّوعي الشّأني و لا الأعمّ منهما
ضرورة إمكاناجتماع الظّن الشّأني بصدور الجميع مع العلم الإجمالي بكذب
البعض نظير العلم الإجمالي مع الشّك في جميع أطراف الشّبهة في أنّ متعلّق العلم الإجمالي ما لم يعلم بصدوره من الأخبار
قوله
قدّس سرّه ثمّ إنّهذا العلم الإجمالي إنّما هو متعلّق إلخ(٢)
أقول
قد عرفت أنّ متعلّق العلم ما لم يعلم صدوره تفصيلا من الأخبار بالتّواتر
أو القرينة لأنّالعلم الإجمالي المتعلّق بمطلق الصّادر المردّد بين
المعلوم التفصيلي و المشكوك لا أثر له بالنّسبة إلى المشكوك لرجوع الشّكّ
فيه إلى الشّك البدويإذ لا يعقل العلم الإجمالي مع كون أحد طرفيه معلوما
بالتّفصيل و هذا مع وضوح الأمر فيه ستسمع شرح القول فيه في الجزء الثّاني
من التّعليقةفي حكم الشّبهة المحصورة و أنّ العلم الإجمالي فيها إنّما يؤثر
في وجوب الاحتياط و حمل المكلّف على الإطاعة الإجماليّة فيما لو أوجب
التّكليف وأثبته على كلّ تقدير أمّا لو أثبته على بعض التّقادير دون بعض
فلا يؤثّر في وجوب الاحتياط كما لو علم بتنجّس أحد الإناءين من جهة
العلمبوقوع النّجس في أحدهما يعلم بنجاسة أحدهما تفصيلا قبل العلم
الإجمالي فلا يجب الاحتياط عن المشكوك بل يرجع إلى أصالة الطّهارة
فإنّهعلى تقدير وقوع النّجس فيما علم بنجاسته تفصيلا لا يوجب فيه تكليفا
بوجوب الاجتناب فيما لو كانا من جنس واحد بل الأمر فيما نحن فيه أوضحمن
المثال المفروض لاحتمال كون الخبر الصّادر ما علم صدوره تفصيلا فلا يكون
هناك علم إجماليّ أصلا بل علم تفصيليّ و مشكوك بدوي كما هو الظّاهرو أمّا
اعتبار كونهما متعلّق الخبر المخالف للأصل و بعبارة أخرى الأخبار المثبتة
للتّكاليف الإلزاميّة فيما لا يحكم بمقتضاها بمقتضى الأصولالمثبتة
للتّكليف الإلزامي فلأنّ الرّجوع إلى الأصل لا يوجب طرح المعلوم بالإجمال
لأنّ الخبر الدّال على الإباحة مثلا و لو كان صادرا عنالإمام عليه السلام
في الواقع لا يقتضي إيجاب العمل بمقتضاه حيث إنّ الالتزام بالإباحة
الظّاهريّة ثابتة بالفرض كما أنّ الالتزام بالحكم الواقعي على ماهو عليه
ثابت أيضا و الالتزام بالإباحة الظّاهريّة من حيث اقتضاء الخبر لها لا دليل
عليه أصلا و إن منع العلم بصدوره تفضيلا عن جريانالإباحة الظّاهريّة إلاّ
أنّ الرّجوع إلى الأصل في مورد العلم الإجمالي لا يوجب طرحه عملا و
التزاما و كذلك الخبر الدّال على الوجوب مثلا لا يقتضي