بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٧٢
بالحجيّة و لو كان من جهة إمضاء الشّارع فلا يبقى موضوع لحرمة التّشريع
بالملاحظة المذكورة حتّى يستلزم من عدم الحكم بالحرمة طرح دليلهفإن شئت
قلت إنّ حرمة التّشريع و قبحه ممّا يستقلّ العقل به في الشّرعيّات و
العرفيّات و مع ذلك نجد سلوك العقلاء لخبر الثّقة فيإطاعة الأوامر
الصّادرة من الموالي إلى العبيد فيكشف ذلك عن ارتفاع موضوع الحرمة بحكم
العقل و لا يمكن العكس و إلاّ لم يحكمالعقل بالحجيّة فحرمة العمل بغير
العلم من باب التّشريع لا يمكن أن يكون رادعا و أمّا حرمة طرح الأصول
اللاّزم من العمل بالظّن فيمقابلها و إن لم يكن بعنوان التّعبّد و
التّشريع فلا يقبل أيضا رادعا من بناء العقلاء و حكم العقل بالحجيّة بعد
فرض كونها معلّقابعدم قيام الدّليل في موارد جريانها كما في الأصول
العقليّة المحضة أو محكومة بدليل حجيّة الظّن كما في الأصول الشّرعيّة
المحضة كالاستصحاببناء على القول به من باب الأخبار أو ما كان اعتباره من
باب الظّن كالأصول اللّفظيّة و الاستصحاب بناء على القول به من باب الظّن
أو مورودةمن جهة و محكومة من أخرى كالأصول العقليّة و الشّرعيّة كأصالة
الإباحة بناء على عدم كون المراد ممّا ورد فيها من الأخبار إمضاءلحكم العقل
و تأكيدا لمفاده بل تأسيسا للإباحة الظّاهريّة الشّرعيّة و إن استلزم نفي
المؤاخذة الّذي يحكم به العقل عند عدم العلمبالتّكليف فعدم جريان الأصول
في مقابل خبر الثّقة سواء كانت لفظيّة أو عمليّة و سواء قام على التّكليف
في مقابل الأصول النّافية لهأو على نفيه في مقابل الأصول المثبتة له و إن
كانت أصولا لفظيّة فيما كان مفاد الخبر أخصّ منها و أظهر بالنّسبة إليها
ليس من جهةكون العقل حاكما بتلك الأصول فيكشف حكم العقل بحجيّة خبر الثّقة
في مقابلها عن عدم جريانها و كون حكم العقل بها تعليقيا لما قدعرفت من
جريان ما ذكر بالنّسبة إلى الأصول الشّرعيّة المحضة الصّرفة و ما كان
اعتباره من جهة بناء العرف كالأصول اللّفظيّة أو الظّنالنّوعي كالاستصحاب
بناء على القول به بالعنوان المذكور و بمثل ما حرّرنا ينبغي أن يحرّر
المقام لا بمثل ما حرّره الأستاذ العلاّمة قدّس سرّهفإنّه لا يخلو عن بعض
المناقشات كما ستقف الإشارة إليه في التّعليقات الآتية في وجه تقديم خبر الثّقة على الأصول العملية
قوله
قدّس سرّه لأنّ الأصول الّتي مدركها حكم العقلإلخ(١)
أقول
المراد من قصور الأدلّة الشّرعيّة عن إفادة اعتبارها قصورها عنها على وجه
لا يرجع إلى إمضاء حكم العقل بها و تأكيدهالحكم العقل و إلاّ فدلالة جملة
من الآيات و الأخبار بل الإجماع على البراءة بل الاحتياط ممّا لا شبهة فيها
نعم
التمسّك بغير الإجماعفي التّخيير العقلي ممّا لا معنى له و إن كان بعنوان
إمضاء حكم العقل فإنّه و إن توهّم استفادته ممّا دلّ على التّخيير بين
الخبرين المتعارضينالمتكافئين إلاّ أنّه فاسد جدّا حسبما عرفت تفصيل القول
فيه في أوائل التّعليقة و سننبّهك عليه في الجزء الثّاني أيضا فالمراد
منالقصور أعمّ من عدم الدّلالة كما أنّ الأخبار عنوان لمطلق الدّليل
الشّرعي فتدبّر قوله
قدّس سرّه و أمّا الاستصحاب إلخ(٢)
أقول
قد يناقش فيما أفاده بأنّ الاستصحاب على القول به من باب الظّن ليس مبناه
على الظّن الشّخصيّ على ما بنى الأمر عليه في الجزء الثّالث منالكتاب في
باب الاستصحاب حسبما سيأتي تفصيل القول فيه بل على الظّن النّوعي الّذي
يجامع الظّن على الخلاف فضلا عن الشّك في البقاء و علىالقول به من باب
الأخبار فالمدّعى في كلامه في بابه كما ستقف عليه تواترها إجمالا فيخرج عن
الخبر الواحد فالمتعيّن في وجه رفع اليد عنهعلى التّقديرين ما عرفت من
أنّه بعد بناء العقلاء على سلوك خبر الثّقة و حجيّته عند العقل يكون حاكما
على الاستصحاب على الوجهينفلا يكون رفع اليد عنه في مقابله طرحا لدليل
اعتباره و مخالفة له حقيقة في تقديم خبر الثّقة على الأصول اللّفظية
قوله
قدّس سرّه و أمّا الأصول اللّفظيّة إلخ(٣)
أقول
قديناقش فيما أفاده أيضا بأنّه بعد استقرار طريقة أهل اللّسان على العمل
بالأصول اللّفظيّة عند عدم القرينة الصّارفة عندهم عن إرادةمقتضى الظّهور و
الوضع فلا وجه لرفع اليد عنها بمجرّد قيام خبر الثّقة على خلافها ما لم
يعلم بحجيّتها عند الشّارع بل يكون إمضاء الشّارعلها على الوجه المذكور
رادعا عن بناء العقلاء على العمل بخبر الثّقة و ليس معنى اعتبار الأصول
اللّفظيّة عند أهل اللّسان و العرف فيمحاوراتهم من حيث إنّهم من أهل
اللّسان عين معنى اعتبارها عند العقلاء من حيث إنّهم عقلاء حتّى يكون شأنها
شأن الأصول الثّلاثةالعمليّة ضرورة اختلاف الجهتين و الحيثيتين على ما
عرفت الإشارة إليه و من هنا أمر بالتّأمّل في المقام من حيث كون ما أفاده
محل مناقشةو يمكن أن يكون الوجه في أمره قدّس سرّه بالتّأمّل ما يتطرّق من
المناقشة في وجه رفع اليد عن الاستصحاب في مقابل خبر الثّقة بما عرفت و
هذاالّذي عرفت من المناقشة إنّما هو فيما أريد استناد رفع اليد عن الأصول
اللّفظيّة بخبر الثّقة القائم على خلافها إلى ما أفاده قدّس سرّه منكون
اعتبارها عقليّة كالأصول العمليّة العقليّة الصّرفة و أمّا إذا أريد
استناده إلى ما عرفت منّا سابقا فلا يرد عليه مناقشةأصلا و من هنا أشرنا
إلى كون الحريّ تحرير المقام به حتّى لا يتوجّه عليه المناقشة و الفرق بين
التحريرين لا يكاد أن يخفى في التقرير الخامس من وجوه تقرير الإجماع
قوله
قدّس سرّهالخامس ما ذكره العلاّمة قدّس سرّه في النّهاية إلخ(٤)
أقول
يستفاد الإشارة إلى هذا الوجه من كلام الشّيخ قدّس سرّه في العدّة و السّيد و غيرهما