بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٤٩
كون محلّ الوصف محلّ الحاجة يتّجه في المقام أيضا مضافا إلى أنّ له في
المقام نكتة أخرى أيضا و هو التّنبيه على أنّ المخبر المتّصف بالفسقبعيد
عن مقام الاعتماد و الاستناد جدّا إذ يحتمل في حقّه ما يحتمل في حقّ المخبر
العادل من السّهو و النّسيان مع زيادة و هي احتمال تعمّدهالكذب و تعويله
في خبره على أمارات ضعيفة و أوهام سخيفة ناشئتين من انتفاء صفة العدالة عند
الحاصرة على الاقتحام في مثل ذلكو هذا ظاهر لا سترة عليه انتهى كلامه رفع
في الخلد مقامه في بيان كيفيّة أخذ المفهوم من القضية الشرطيّة
قوله
قدّس سرّه ففيه أنّ مفهوم الشّرط إلخ(١)
أقول
الوجه فيما أفاده ظاهر لا سترةفيه أصلا ضرورة أنّ المعتبر في التّعليق على
الشّرط كما حقّق في محلّه فيما كان له مفهوم بتبديل كلّ من الشّرط و
الجزاء بنقيضه مع إبقاء سائرأجزاء القضيّة على حالها في جانب المفهوم فإذا
قال إن جاءك زيد فأكرمه مثلا كان مفهومه سلب الجزاء و هو وجوب الإكرام عن
زيدعند عدم الشّرط و هو مجيء زيد لا سلب الإكرام عن عمرو الجائي مثلا
فإنّه موضوع آخر لم يكن مثبتا في القضيّة أصلا فإذا فرضالتّعليق على
الشّرط في الآية دالاّ على قضيّة أخرى يعبّر عنها بالمفهوم كانت تلك
القضيّة إن لم يجئكم فاسق بنبإ فلا يجب التّبيّنفي نبئه لا إن جاءكم عادل
بنبإ فلا يجب التّبين في نبئه فإنّ نبأ العادل ليس من أفراد عدم نبإ الفاسق
و لو في الجملة ضرورة أنّالأمر الوجودي ليس من أفراد العدم ضرورة تقابل
الوجود و العدم فكيف يمكن تصادفهما نعم
قد يقارن عدم الشّيء وجود بعضالأشياء أو يلازمه و أين هذا من التّصادق و
الفردية فعدم نبإ الفاسق لا يتعدّى عنه و ليس من أفراده نبأ العادلو إن
تقارن نبأ العادل في الوجود و إلاّ أمكن أن يقال بأنّ الآية تدلّ منطوقا
على عدم حجيّة خبر العادل بأن يقال إنّ الآية تدلّعلى وجوب التَّبين في
خبر الفاسق و يشمل بإطلاقها ما لو اجتمع مع نبإ العادل فيجب التَّبين فيه و
إن كان المخبر به أمرا واحدا و هو كما ترىفإذا لم يمكن التَّبين في
النّبإ المنفي عن الفاسق فلا يعقل أن يكون للقضيّة مفهوم و دلالة مرادة
للمتكلّم ضرورة كون انتفاء المحمول عنالموضوع الغير الموجود من جهة
استحالة الوجود لا من جهة دلالة اللّفظ و إنشاء المتكلّم لنفيه إمّا من جهة
الدّلالة الوضعيّة أوالإطلاقيّة الانصرافية أو العقليّة الرّاجعة إلى لزوم
اللّغويّة و الخلوّ عن الفائدة فلا بدّ أن يكون الغرض من ذكر الشّرط في
أمثال المقامالإشارة و الدّلالة على اختصاص الجزاء موضوعا بصورة وجود
الشّرط و هذا غير عزيز كما في الأمثلة المذكورة في الكتاب فلو قيل إنّ
قولهتعالى فإذا قرئ القرآن الآية يدلّ بالمفهوم على نفي وجوب الاستماع عن
قراءة الحديث حيث إنّ عدم قراءة القرآن يشمل قراءة الحديثكان حقيقا
بالإعراض و عدم الاستماع و هكذا الأمر في نظائره هذا مع أنّ الأخذ بإطلاق
المفهوم و الحكم بدلالة الآية على عدم وجوبالتّبين في خبر العادل لا معنى
له من جهة أخرى فإنّ حمل الآية على ما ذكر يوجب الحكم بأنّ مدلول الآية نفي
وجوب التّبيّن بالدّلالة اللّفظيّةعمّا لم يكن هناك نبأ أصلا لا من الفاسق
و لا من العادل كما أنّ مدلولها نفيه عن نبإ العادل و من المعلوم ضرورة
أنّ نفي وجوب التّبينشرعا إنّما يتصور في مورد إمكان ثبوته و كيف يمكن
ثبوته فيما لم يكن هناك نبأ أصلا و ممّا ذكرنا كلّه يظهر فساد ما قيل في
الجواب عنالاعتراض المذكور من أنّ مفهوم الشّرط و إن لم يكن مجيء العادل
بالنّبإ إلاّ أنّه بإطلاقه يشمله و هكذا ما قيل من أنّ حمل المفهوم على
عدموجوب التّبين في نبإ الفاسق عند عدم مجيئه به يوجب حمل القضيّة على
السّالبة بانتفاء الموضوع و هو على خلاف الأصل و الظّاهرضرورة أنّ الأصل
المذكور إنّما يعمل به و يجري فيما كان هناك قضيّة سالبة مردّدة و قد عرفت
تعيّن كون السّلب في المقام من جهة سلبالموضوع في بيان افتراق الإيراد الثّاني عن الأوّل و وجهه
قوله
قدّس سرّه الثّاني ما أورده في محكي العدّة إلخ(٢)
أقول
لا يخفى عليك أنّ مرجع هذا الإيراد أيضا و إن كان إلى كونالغرض من
التّعليق في المقام وصفا أو شرطا غير الدّلالة على الانتفاء عند الانتفاء
إلاّ أنّه يفترق معه من جهة أخرى فإنّ الاستنادفي الإيراد الأوّل إلى منع
وجود المقتضي و في الإيراد الثّاني إلى وجود المزاحم و المانع عن الحكم
بإرادة المفهوم من التّعليق و إن سلّمكون التّعليق في نفسه مقتضيا لعدم
وجوب التّبين في خبر العادل فالغرض من التّعارض في المقام هو تنافي ما
يقتضيه ظهور اللّفظو الدّلالة العرفية على الانتفاء عند الانتفاء مع وجود
ما يمنعه و يزاحمه فالتّعليق بهذه الملاحظة ليس له ظهور و مفهوم حقيقة فلا
يقالأنّه أخصّ بالنّسبة إلى عموم التّعليل فلا بدّ أن يخصّص به كما يكون
الأمر كذلك فيما كان التّعليق المقتضي لمفهوم المخالفة و العموم في
كلامينإذا فرض العموم مستفادا من غير التّعليل فالتّعارض حقيقة بين
التّعليق الدّال على المفهوم بحسب الوضع أو غيره من جهات الدّلالة
المذكورةفي محلّه و ظهور التّعليل في تبعيّة الحكم المعلول له من حيث كونه
من آثاره فالتّرجيح ليس من جهة المنطوق و المفهوم حتّى يرد النّقض
بالمنفصلينبل من جهة الاتّصال و الوجود في كلام واحد ضرورة عدم استقرار
ظهور صدر الكلام حتّى يفرغ المتكلّم منه مضافا إلى كون العموممستندا إلى
التّعليل الآبي عن التّخصيص المقتضي لحمل المعلول على ما يقتضيه التّعليل
عموما و خصوصا فيحكم بملاحظة ما ذكر أنّ الغرض