بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٤٧
بالوجهين مذكور في كتب القوم و إن اقتصر في بعضها على الوجه الأوّل أي
مفهوم الشّرط و في بعضها على الوجه الثّاني لكن في تقريبالاستدلال بالوجه
الأوّل قد اختلفت كلماتهم ففي بعضها ذكره كما ذكر في الكتاب نفسه و في
بعضها أنّه سبحانه علّق وجوب التبيّن علىمجيء الفاسق فينتفي وجوب التّبين
بمقتضى التّعليق على الشّرط عند عدم مجيء الفاسق بالنّبإ و هو يشمل
بإطلاقه مجيء العادل بالنّبإأو غير الفاسق به بناء على ثبوت الواسطة ضرورة
أنّ عدم مجيء الفاسق بالنّبإ يشمل ما لو لم يكن هناك نبأ أصلا أو كان و
لم يكن المخبرفاسقا فإذا ينتفي وجوب التّبين عن خبر العادل بمفهوم الشّرط
فيدور الأمر بين أمرين لا ثالث لهما أحدهما
القبول من دونتبيّن ثانيهما
الرّد كذلك و الثّاني باطل جزما للزوم كون العادل أسوأ حالا من الفاسق على
تقديره ضرورة كون الرّد من دونتبيّن أسوأ من التّبين إذ فيه نوع من
الاعتناء بشأن المخبر و ربما ينتهي إلى العمل بالخبر على تقدير الصّدق
فالآية النّافية للتّبين فيخبر العادل بمفهوم المخالفة تنفي الرّد بالفحوى
و مفهوم الموافقة هذا توضيح تقريب الاستدلال المذكور في كلام بعضهم في بيان مراده قدس سره من المناسبة و الاقتران
قوله
قدّس سرّهللمناسبة و الاقتران إلخ(١)
أقول
المراد من الاقتران يحتمل على بعد أن يكون هو المناسبة فيكون العطف للبيان
و يحتمل أن يكونالاقتران المعنوي حيث إنّ الفاسق فاعل الشّرط و قوله بنبإ
مفعول الشّرط و من المعلوم أنّ الجزاء الذي هو معلول الشّرط أقرب
بفاعلهبالنّسبة إلى مفعوله لأنّ نسبة الفعل إلى المفعول بالملاحظة
الثّانويّة و إلى الفاعل بالملاحظة الأوّلية فإذا ثبت كون الظّاهر
منالقضيّة استناد الحكم يعني وجوب التّبين إلى الوصف يعني الفسق فيستكشف
عدم صلاحيّة كونه مخبرا واحدا الّذي هو أمر ذاتيّللعليّة و الاستناد و
إلاّ لوجب الاستناد إليه لحصول الذّاتي قبل حصول العرضي الّذي فرض الاستناد
إليه فيكون معلوله في مرتبتهفيلزم أن يكون مقدّما و لو طبعا على العرضي
ضرورة كون لوازم الذات مقدّمة على عوارضه و الاستناد إلى العرضي يقتضي
تأخّرهعنه فيلزم تقدّم الشّيء على نفسه فيكشف من ذلك كلّه انحصار العليّة
و السّببيّة في الوصف فينتج ثبوت المفهوم و الدّلالة على الانتفاءعند
انتفائه كما هو واضح و منه يعلم أنّ المراد من الأولويّة في عبارة الكتاب
التّعين لا ما يكون حسنا يجوز تركه في أنّ ظاهر كلامهم إرادة وجوب التّبين نفسا
قوله
قدّس سرّه أقول الظّاهرأنّ أخذهم إلخ(٢)
أقول
لا ريب في ظهور كلامهم في تقريب الدّلالة على الوجهين في إرادة الوجوب
النّفسي من الأمر بالتّبيّن و إن لم يلتزمبه أحد حتّى من قال بوجوب تحصيل
العلم في الفروع بالوجوب النّفسي فإنّه لا يقول بأنّ إخبار الفاسق سبب
لوجوب التّبين بالوجوب النّفسيلأن أخذهم للمقدّمة المذكورة في كلامهم
المبنيّة على التّرديد و الدوران ينطبق على الوجوب النّفسي لا الشّرطي و
ظاهر الأمر في نفسهو إن كان الوجوب النّفسي إلاّ أنّه بالنّظر إلى المقام
إلى الفحص عن الطّرق و إلى قيام الإجماع و إلى التّعليل غير مراد قطعا فلا
معنى لحمل اللّفظ عليههذا و التّحقيق أنّ الأمر بالتّبيّن في خبر الفاسق و
بعدم وجوبه في خبر العادل و إن دلّ على عدم حجيّة الأوّل و كون وجوده
كعدمه فلا بدّمن تحصيل العلم بالواقع في مورده و على حجيّة الثّاني و
طريقيّته المغنية عن تحصيل العلم بالواقع بالدلالة اللّفظيّة العرفيّة
الواضحة إلاّ أنّ حملالوجوب على الوجوب الشّرطي محلّ مناقشة فإنّه لا معنى
لجعل تحصيل العلم بالواقع شرطا للعمل بخبر الفاسق فإنّ العمل بالواقع لا
دخل له بالعملبالخبر إلاّ على سبيل التّوسّع و المسامحة فلا بدّ أن يحمل
وجوب التّبيّن المقصود منه في خصوص المقام الدّلالة على ما يحمل عليه
الوجوب في كلّ ما دلّعلى وجوب تحصيل العلم في الفروع على الجاهل من الوجوب
الغيري الإرشادي و حكم الشّارع بنفي هذا المعنى عند إخبار العادل و إن
كانفي معنى الحكم بحجيّته إلاّ أنّه لا دخل له بالوجوب الشّرطي اللّهمّ
إلاّ أن يقال إنّ الآية لا تعلّق لها بخصوص الفروع بل يعمّها و الموضوعات
الّتيلا يجب تحصيل العلم فيها بالوجوب الغيري الإرشادي بل مورد الآية من
الموضوعات فإن فرض هناك وجوب فليس إلاّ الوجوب الشّرطي غاية الأمرأن يكون
الوجوب الثّابت عند إرادة العمل هو الوجوب الغيري هذا نقل كلام بعض الأفاضل في الفصول
و قال بعض أفاضل من قارب عصرنا في تقريب الاستدلال ماهذا لفظه وجه الدّلالة
أنّه تعالى علّق وجوب تبيّن النّبإ على مجيء الفاسق به فيدلّ بمفهومه على
عدم وجوب التّبين عند مجيء العادل بهو مقتضاه جواز القبول لأنّ الأمر
بطلب البيان إمّا كناية عن عدم جواز القبول أو مجاز عنه أو مخصوص بما لو
أريد العمل بمقتضى نبئه فيكونوجوبه شرطيّا و يرجع إلى الوجه السّابق أو
بمواضع خاصّة لا بدّ من التّبيّن فيها منها الواقعة التي نزلت الآية فيها
حيث يجب فيها طلب البيانبمطالبتهم بالصّدقات فإن انقادوا إلى الحقّ و
أدّوها تبيّن كذب النّبإ قضاء بظاهر الحال و إن استنكفوا عنها و أظهروا
التّمانع و المعاداةتبيّن صدقه و وجب التّهجم على جهادهم لكن هذا في
الحقيقة راجع إلى طلب أمر مخصوص يحصل به البيان و ليس بطلب نفس البيان
حقيقة وبالجملة فلا بدّ من حمل الأمر بالتّبين على أحد هذه الوجوه للإجماع
على عدم وجوب التّبين عند خبر الفاسق مطلقا و على هذا فماتداول في كتب
القوم في بيان وجه الاستدلال من أنّه علّق وجوب تبيّن النّبإ على مجيء
الفاسق به فعلى تقدير مجيء العادل به إمّا أن