بحر الفوائد في شرح الفرائد - الآشتياني، الميرزا محمد حسن - الصفحة ١٣٧
مع السّمع و قد اتّفقوا على أنّ الأولى حجّة على من وقف عليها أولا و من يلقيه إليه بالواسطة من طريق التّواتر و نحوه ممّا يوجب العلم و اختلفوافيما بلغ منها من طريق الآحاد و اتّفقوا أيضا على أنّ الثّانية حجّة على من أدركها بعقله إذا كان من ذوي الإدراك لمثلها و من أهلهما لم يبيّن له خطأه إلى أن قال ثمّ لا ريب أنّ حجيّة ما عبّروا عنه بالخبر و الرّواية و نحوهما من أحكامه إنّما هي لكونه حاكيا لما هوالدّليل المقرّر بالأصالة و هو السّنة النّبوية و غيرها و إذا تعلّق بما ليس بدليل لم يكن من أدلّة نفس الأحكام و إن كان قد يقبل ويعوّل عليه فيما يتعلّق بها أو بغيرها لمقاصد أخرى و قد أطبق جميع فرق المسلمين بل و سائر الملّيّين على أنّه ليس من جملة الأدلّةما يختلج في ضمائر آحاد الثّقات أو العلماء و يحكم به عقولهم فإنّه و إن وجب عليهم الاعتقاد به و العمل بمقتضاه كما وجب نحوه أيضاعلى سائر النّاس فيما أدركته عقولهم إلاّ أنّه ليس حجّة على غيرهم من العلماء بل فائدة مقصورة على أنفسهم و على مقلّديهم حيثوجب تقليدهم عليهم و لقد نادى المصنّفون منهم بذلك في كتبهم و ضرورة العقل أيضا تشهد بذلك إذ يستحيل على اللّه تعالىأن يجعل الأحكام الشّرعيّة المحكمة المنزلة في كتبه المكرمة المبنيّة على الحكم الباهرة و المصالح الخفيّة و الظّاهرة منوطة بعقائدالنّاس و أهوائهم مع عدم عصمتهم و شدّة اختلافهم و اضطراب آرائهم إلى أن قال بعد جملة كلام له في الاستشهاد لما ذكره في أنّ الوجه في حجيّة الإجماع المنقول باعتبار المنكشف لا يخلو عن أمور متقاربة إذاتمهّد ذلك فاعلم أنّ الوجه في حجيّة الإجماع المنقول باعتبار المنكشف و التّعويل على النّتيجة المتقدّمة لا يخلو من أمور متقاربة الأوّل أنّ الإجماع الكاشف من الحجج المنصوبة لمعرفة أحكام الشّريعة له وجود في الخارج و نفس الأمر كالسّنة فكما وجب العملبالمعلوم منه بالتّحصيل أو التّواتر فكذا بالمظنون منه بنقل الثّقة لاقتضاء انسداد باب العلم و غيره من أدلّة حجيّة خبر الواحد ذلككما قرّر في محلّه و فيه أنّه إنّما يستقيم باعتبار السّنة عندنا في نقل نفس الاتّفاق المأخوذ في صغرى القياس و قد بيّنا جواز الاكتفاءفي معرفته بنقل الثّقة مع مراعات ما مرّ مفصّلا و لا يستقيم في نفس النّتيجة الّتي هي كالكبرى من الأحكام الذّهنيّة و الاعتقاداتالعقليّة الّتي يختصّ حجيّتها بمدركها و مقلّديه إلى أن قال الثّاني أنّ النّاقل الثّقة ادعى حصول العلم له من الإجماع بطريقالانكشاف رأي الإمام عليه السلام أو غيره ممّا يجب العمل به فيجب التّعويل عليه كما يجب فيما يدعي العلم به بالسّماع أو المشاهدة لأنّ المنشأ أمورمحسوسة له حصل منها العلم بما هو حجّة و هو المناط و لا دخل لطريقه و لا يختلف الحكم باختلافه فالمستند تنقيح المناط المشتركبين الأمرين و فساد ذلك ظاهر ممّا بيّناه سابقا مع أن التّعويل على العلم المذكور الّذي هو المقيس ليس لنصّ إلى أن قال الثّالث أنّ انسداد باب العلم يقتضي جواز العمل بالظّن مطلقا فيجوز العمل بالإجماع المنقول لحصول الظّن من ذلك مع وثاقة النّاقل و خروجبعض الظّنون بالإجماع لا يقتضي خروجه لمكان الخلاف و فيه أوّلا أنّ الخلاف المعتدّ به هنا إنّما هو باعتبار نقل الكاشف لا المنكشفكما سبق إلى أن قال بعد ذكر أجوبة و خامسا أنّ الحقّ الحقيق بالاتّباع و التّحقيق هو أنّ دليل انسداد باب العلم على ما قرّرناه في محلّه لايقتضي إلاّ جواز العمل بالظّن في طريق الوصول إلى الأدلّة السّمعيّة المقرّرة و استنباط الأحكام منها فيقوم الظّن الخاص من نقل الآحاد علىوجه السّماع أو المشاهدة كما هو المعهود المتعارف الّذي عليه جرت عادة النقلة و استقامت الطّريقة مقام القطع الحاصل منالسّماع أو المشاهدة و التّواتر المستند إليهما و العلم بوجوب العمل بخبر الثّقة الإمامي تعبّدا لحكمة لا يجب اطّرادها و يقوم الظّن الحاصل منمعاني الألفاظ و أمارات الحقيقة و المجاز و وجوه الجمع و التّرجيح و شواهد الجرح و التعديل مقام القطع بها فلا يعبأ بمطلق الظّن فيطريق الوصول كما في قول الرّاوي أظنّ أنّ الإمام عليه السلام قال كذا أو فعل كذا أو أنّ فلانا روى عنه كذا أو نحو ذلك ممّا وقع فيه الالتباس فيالأصل من جهة نفس الصّدور أو ما صدر أو من صدر منه و إن حصل الظن للراوي أو لغيره اعتمادا على ظنّه فكيف يوجب العمل بالظّن بقولمطلق و يجعل طريقا مستقلاّ لمعرفة الأحكام مع أن الأخبار المتواترة التي عليها مدار عمل الشّيعة إلى ظهور الخلف الحجّة عليه السلام صريحة الدّلالةعلى أنّ المدرك بعد دليل العقل القاطع الّذي لا يزول و لا يختلف باختلاف الأزمنة و الدّهور و به تعرف الضّرورة و النّظر حجّةكلّ متعوّل و حقيقة كلّ مأثور منحصر في الكتاب الّذي هو كلام اللّه اللّفظي المسموع المعروف و السّنة النّبوية صلى الله عليه و آله و الإماميّة الّتي هي القولالمسموع من النّبي صلّى اللّه عليه و آله أو خلفائه و فعلهم و تقريرهم المعلومان بالمشاهدة و ما يستفاد منها من الأدلّة الّتي وجبالعمل بها و إن لم يحصل منها الظّن بالحكم و تعدّ عند القدماء من الطّرق العلميّة لذلك و لأمر آخر ليس هذا موضع بيانه و هذا الحصروقع عن أمر إلهيّ و علم ضروري بما حدث لدى الشّيعة في زمن حضور من مضى من الأئمّة عليهم السلام و ما يحدث في غيبة من بقي منهم عليهم السلام من الخللو المفاسد في معرفة الأحكام و انسداد باب العلم بأكثرها في أزمنة السّلف فضلا عن الخلف لأمور ليس هنا موضع ذكرها و بيّناها