دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٤١٦
ثم وبعد التطور الحضاري وانتشار العلوم في البلاد العربية ترجمة وتأليفا وقف الباحثون والعلماء عندها وعليها مصطلحا علميا. وأقدم حقل معرفي تناول الدلالة بالبحث بصفتها مصطلحا علميا هو علم المنطق الصوري، ومنه امتد تعريفها وتقسيمها إلى الحقول المعرفية الاخرى أمثال الفلسفة واصول الفقه وعلم اللغة وعلم الدلالة، والدراسات التي تناولت (الكلمة) بشكل خاص. وأشهر تعريف منطقي للدلالة هو ما جاء في كتاب (التعريفات) للجرجاني، ونصه: " الدلالة: هي كون الشئ بحالة يلزم من العلم به العلم بشئ آخر. والشئ الأول هو الدال والثاني هو المدلول ". والجرجاني بتعريفه هذا يريد أن يقول: الدلالة هي العلاقة القائمة بين الدال والمدلول بحيث لو علمنا بالدال علمنا بالمدلول. وقد يشكل عليه بأن هذا إنما يتم في الصور الواقعية لا الاعتبارية. فمثلا: لو رأيت دخانا علمت بوجود نار، لأن الدخان طبيعيا يأتي من النار. ولكنك لو سمعت لفظا من ألفاظ اللغة الفرنسية - مثلا - وأنت لا تعرف شيئا من اللغة الفرنسية لا ينتقل ذهنك إلى معناه رغم وجود العلاقة والتلازم بين هذا اللفظ الفرنسي ومعناه. فإذن، التعريف المذكور، غير دقيق في شموله للدلالة التي نريدها هنا وهي الدلالة اللفظية الوضعية. ويرجع هذا - فيما أقدر - إلى أن معنى الدلالة من المفاهيم التي يتعامل معها الإنسان في كل لحظات حياته وبعددها، فهي كمفهوم الوجود ومفهوم الحياة،