دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٣٤٦
مع أن الواقع في اللغات - بصفتها ظواهر اجتماعية - غير هذا الذي ذكروه للوضع. ذلك أن التخصيص والاختصاص موجودان في كل دلالة، أي مع كل لفظ له معنى، ذلك ان ابن اللغة عندما يفتقر إلى الرمز أو الإشارة إلى معنى من المعاني يأتي باللفظ قاصدا لاستعماله في المعنى، ثم يستعمله فيه، والاستعمال هو الذي يكشف عن التخصيص، ثم يأتي الاختصاص بعد تكرار الاستعمال وأنس الآخرين به. فلا يوجد وضع تعييني ولا آخر تعيني، وإنما هو وضع مقترن بالاستعمال، وإذا شئت قلت: استعمال مقترن بالوضع. في ضوء هذا: بوسع العالم اللغوي تتبع التطور الدلالي للكلمة من ناحية تاريخية. ومن خلاله يمكننا تمييز الحقائق من المجازات، والحقائق الاولى من التي جاءت بعدها. وقد قام بعض علماء اللغة العربية الذين هم في الوقت نفسه من علماء الدين الإسلامي أيضا بوضع المعجم الدلالي الذي يفرق فيه بين الحقيقة والمجاز، لعلمهم بالحاجة إليه في مجال دراسة الألفاظ الشرعية، ولمساعدة المتأدبين في استخدامات المجازات في التعبير الأدبي. وذلك كالذي صنعه جار الله الزمخشري في كتابه (أساس البلاغة) حيث أفرد فيه المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح، قال في مقدمته: " ومنها (أي خصائص كتابه) تأسيس قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح، بافراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح " وذلك بأن خصص القسم الأول من أي مادة للمعاني الحقيقية، والقسم الثاني للمعاني المجازية، مبتدئا له بقوله: (ومن المجاز).