دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٣٢٣
ذات الشئ بمجرد إدراك الإنسان لذلك الشئ، وإنما بسبب دلالة البرهان الفلسفي أو العلمي عليه بمستوى من القوة يفرض نفسه بسببها على عقل الإنسان فرضا، بحيث لا يستطيع العقل أمام البرهان إلا الإذعان بالقبول وعدم الرفض. وإذا قارنا بين هذا القسم وقسيمه اليقين الذاتي فاننا سنرى ان اليقين الذاتي لأنه ذاتي، أي لأنه نابع من مجرد إدراك ذات الشئ لا يتغير، لأن الواقع الثابت في الذات غير قابل لأن يتغير، فاليقين المتعلق به كذلك - هو الآخر - لا يتغير أيضا. وبعكسه اليقين الموضوعي لأنه غير آت من إدراك الشئ وإنما هو آت من البرهان الدال عليه، فمتى ما اهتز البرهان وسلبت منه القدرة على الإثبات اهتز اليقين معه وزال بزواله. ومنه قالوا: " قد يذعن المرء لما هو في الواقع خطأ ". وقيد بعضهم التعريف القائل بأن " القطع هو الجزم الذي لا يحتمل الخلاف " بالقيد التالي: " سواء طابق الواقع أو خالفه " ليشمل القسمين المذكورين. وعلى أساس من هذه التفرقة تقيم حجية كل واحد منهما. والحجة - كما يعرفها استاذنا المظفر: " كل شئ يكشف عن شئ آخر ويحكي عنه على وجه يكون مثبتا له ". وبتعبير آخر: هي إضفاء الاحتجاج على الشئ الذي يراد الاستدلال به والبرهنة على الإثبات أو النفي. فحجية اليقين الذاتي - أو قل: اعتباره حجة يصلح للاحتجاج به - أمر بديهي لايتطلب إقامة برهان لإثباته، وذلك لأن العلم بالشئ هنا جاء من إنكشاف واقع الشئ بذاته ووجدانا، وما يأتي عن طريق الوجدان لا يفتقر إلى البرهان. جاء في الارجوزة تعريفا للعلم " حقيقة العلم انكشاف الواقع ".