دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٢٩٦
كما ان النفير لا يرادف النفر، أي انه ليس مصدرا - كما يظهر من عبارات بعض الاصوليين والمفسرين - وإنما هو اسم للقوم ينفرون للقتال. وفي مقابل ما تقدم ذهب غير واحد من المفسرين والاصوليين أن الآية تحمل حكما مستقلا، أي انها ليست من آيات الجهاد، وان وردت في سياقها. والسياق القرآني - كما يظهر للمتتبع - لا يقوم قرينة على المراد على وجه الدوام، بل ولا الغالب. ومن هؤلاء الفخر الرازي، قال في تفسيره: " ان هذه الآية حكم مستقل، وتقريره ان الله تعالى لما بين في هذه السورة (سورة التوبة) أمر الهجرة ثم أمر الجهاد، وهما عبادتان في السفر، بين أيضا عبادة التفقه من جهة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وله تعلق بالسفر، فقال: * (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) * إلى حضرة الرسول * (ليتفقهوا في الدين) *، بل ذلك غير واجب وغير جائز، وليس حاله كحال الجهاد معه (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له. ثم قال: * (فلولا نفر من كل فرقة) * منهم يعني من الفرق الساكنين في البلاد (طائفة) إلى حضرة الرسول (ليتفقهوا في الدين) وليعرفوا الحلال والحرام، ويعودوا إلى أوطانهم فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم ". واستظهره أبو حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط) قال: " والذي يظهر ان هذه الآية إنما جاءت للحض على طلب العلم والتفقه في دين الله، ولأنه لا يمكن أن يرحل المؤمنون كلهم في ذلك فتعرى بلادهم منهم ويستولي عليها وعلى ذراريهم أعداؤهم، فهلا رحل طائفة منهم للتفقه في الدين ولإنذار قومهم، فذكر العلة للنفير وهي التفقه أولا، ثم الإعلام لقومهم بما علموه من أمر الشريعة، أي فهلا نفر من كل جماعة كثيرة جماعة قليلة منهم فكفوهم النفير، وقام كل بمصلحة، هذه بحفظ بلادهم وقتال أعدائهم، وهذه لتعلم العلم وإفادتها المقيمين