دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ٢٠٩
وهنا يأتي السؤال الآخر: إذا كان الأمر هكذا عند الإمامية فكيف أدرجوه في عداد الأدلة الفقهية (مصادر التشريع الإسلامي) بما يوهم انه دليل مستقل. فكان يمكن أن يقال: الأدلة إثنان هما: الكتاب والسنة، وللسنة طريقان هما: الرواية والإجماع. أو يقال: الأدلة ثلاثة: الكتاب والسنة والعقل، وفي مبحث السنة يشار إلى ان لها طريقين هما: الرواية والإجماع. ولكشف هذا الذي قد يعد مفارقة منهجية لابد من استعراض تاريخ نشوء الإجماع في الوسط العلمي الإسلامي، ومن ثم تطوره في مجال الدرس الاصولي، ذلك ان معرفة تاريخه في النشأة والتطور مما يلقي الضوء المساعد على كشف المفارقة: لعل أقدم نص إسلامي يعرب عن زمان ومناسبة إنبثاق الإجماع عند المسلمين واتخاذه دليلا شرعيا هو ما جاء في رسالة الإمام الصادق (عليه السلام) إلى الشيعة المروية في (روضة الكافي)، فقد ورد فيها - في شأن السقيفة والخلافة -: (وقد عهد إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل موته، فقالوا: نحن بعد ما قبض الله تعالى رسوله يسعنا أن نأخذ بما أجمع عليه رأي الناس بعد ما قبض الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به، مخالفة الله ولرسوله. فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك، وزعم ان ذلك يسعه). والإمام الصادق (عليه السلام) يشير بهذا إلى الإجماع الذي ادعي لتصحيح خلافة أبي بكر، ذلك انه بعد أن بويع أبو بكر بالخلافة، ولا سند عند الصحابة الذين دعوا إلى بيعته يدعم هذه البيعة من ناحية شرعية حيث لا نص في القرآن الكريم ولا نص في السنة الشريفة يثبت صحة هذه البيعة، اضطروا بغية إضفاء الشرعية عليها