دروس في أصول فقه الإمامية - الفضلي، الشيخ عبد الهادي - الصفحة ١٩٨
ويمكن الجميع بين الآراء المذكورة بالتالي: إن للإمام قدرة إدراك الأحكام الواقعية كما هي للنبي، فإن كان هناك شئ من الأحكام لم يبلغ لأن وقته بعد لم يحن يأتي تبليغه عن طريق الإمام. وهذا هو أحد العوامل التي أوجبت بقاء الأئمة ملازما لبقاء القرآن حتى يوم الدين. أما الأحكام التي بلغها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودونها الإمام علي (عليه السلام) بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابه المعروف بكتاب علي، فالأئمة حينما يبلغونها إنما يبلغونها عن طريق الرواية، كما صرحوا بذلك في أحاديثهم المتقدمة. وأما ما ذكر في بعض الروايات من تفويض الله للنبي بالتشريع، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) شرع بعض الأحكام ثم أجازها الله تعالى، فقد تناول غير واحد المسألة بالتوضيح والتعليق. ومنه ما ذكره الشيخ المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) تحت عنوان (نفي الغلو في النبي والأئمة) فبعد أن ذكر الروايات وانتقل إلى بيان أنواع التفويض قال: " الثاني - من أنواع التفويض -: التفويض في أمر الدين، وهذا - أيضا - يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الله تعالى فوض إلى النبي والأئمة عموما أن يحلوا ما شاءوا ويحرموا ما شاءوا من غير وحي وإلهام، أو يغيروا ما اوحي إليهم بآرائهم، (ان) هذا باطل لا يقول به عاقل، فإن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينتظر الوحي أياما كثيرة لجواب سائل، ولا يجيبه من عنده، وقد قال تعالى: * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) *. وثانيهما: أنه تعالى لما أكمل نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث لم يكن يختار من الامور شيئا إلا ما يوافق الحق والصواب، ولا يحل بباله ما يخالف مشيئته تعالى في كل باب